لا أعرف ما هو اللقب أو الصفة التي تكتفي بها مكانتها، هي امرأة عامليّة دائمًا يأتي حضورها الثقافي والسياسي مفاجئًا. تعليق مقتضب منها على قضيّة عبر فايسبوك أو على حدث معين على حسابها الخاص كفيل بلفت النظر وطرح النقاشات اللامتناهية. هي بادية فحص، أو كما تحبّ أن نناديها بادية هاني فحص، التي حملت الجنوب وجبشيت والنبطيّة على ظهرها ككلمة واحدة، إضافة إلى المرأة قضيّة وإشكاليّة. عقلها لا يكفّ عن تفكيك القضايا وقلمها لا يتوقف عند تأويل أو تفسير.
نهلت من معين والدها الراحل، الكاتب المثقف السيد هاني فحص كمّاً وفيرا من علمه وادبه، كذلك ورثت منه قلمه الأدبي وعشقه لحرية الفكر، فمضت الابنة التي تأثرت كذلك بمحيطها وبيئتها، وثارت على الموروثات والأعراف البالية بمجتمعها، ثارت ضدّ احكام المحاكم الشرعيّة كأمّ مطلّقة بدموع شرسة وبصوتٍ ثائر، وأعطت لنفسها مكانة فكريّة ملوّنة مختلفة بيئتها المحافظة.
ثلاث صور لإسم واحد
حين تكتب على محرّك البحث اسم «بادية فحص»، تتبادر أمامك ثلاث صور تكمّل بعضها البعض لكنها متباينة، كأنّنا نتحدّث عن ثلاث هويّات في هويّة واحدة.
فبادية فحص التي تكتب مدوّنة في موقع «درج»، والتي تحاجج الله وتسائله عن عدم تدخّله لإنقاذ أطفال غزّة، تختلف كليًّا عن بادية السياسيّة التي تتحدّث عن إيران والإقليم في مجلّة “المجلّة” كمحللة وباحثة سياسية. واليوم تتكوّن افتراضيًّا، وبتربة مجبولة بالمجاز ولامركزيّة العقل، “بادية” المهاجرة التي ترثي أطراف جبل عامل المحترقة، وتتحدّث بقلق الأمومة عن بيتها في النبطيّة قائلة:
“أضحك وأتذكّر ما قاله لي أبي ذات يوم: هذا ليس بيتاً، هذا وطن… خسرنا الوطن يا أبي، والبيت لا خبر عنه!”
وفي “جنوبيّة” كتبت ايضا، فكان المنبر الجنوبي داعما عبر “لا” بوجه خوف الجنوبيّين، وكتبت عن “الثورة السوريّة” التي انتصرت بعد 14 عامًا من بذل دم وتضحيات، وعن انتفاضات الشعب الايراني بمواجهة السلطة الدينية المستبدة.
معرفة شخصية وتجربة صحافية
أعرف بادية فحص كاتبة ووجهًا صحفيًا وإعلاميًّا من خلال أمّي، مكتبتي المعرفيّة، منذ عام 2015، عام اختياري دخول كليّة الصحافة. أقرأ لها وأسمعها وأذهل بكمّ الكتب التي قرأتها، والتي وضعتها كسور حول الفكرة التي تريد معالجتها في مختبرها النقدي.
أعرفها شخصيًّا منذ عام 2018. نبّهتني بصرامةٍ حين اعتدت عليّ جماعات مناصرة لحزب الله ألّا أبكي أو أشعر بالمهانة، “انت الذي تهينهم وتخيفهم بمنطقك وتحاصرهم في معاقلهم كمعارض”، كم رسخت في عقلي هذه العبارة. بادية فحص التي صاغت منشورها: “ردّدوا معي… حزب الله خائن”، استخدمت نبرة الإيعاز والأمر لتخترق الوعي الجماهيري الخاضع لبيئة حزب الله قبل أن تخترق عقولنا نحن المعارضين دون خجل انتصارات هذا الوهم السياسي.
امرأة ترصد المشهد من علٍ
ستستمر بادية في تظهير هويّاتها الثلاث بحضورها الفاحص، وقد تخرج من عقول مقالات ولوحات أخرى تفي حق هذه المرأة العامليّة في طرحها وتعليقها. امرأة تشبه النسر، ترصد من علوّ شاهق المشهد بأكمله، وتختار اللحظة والتفصيل المناسبين لتنقضّ كأيّ نقطة تحطّ على حرف يكشف المعنى، لتأخذ الفكرة مجازها ومداها.

