لبنان بين النفوذ الإيراني والانهيار الداخلي: هل ما زال البلد رهينة التفاوض الإقليمي؟

جاد الأخوي

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تنظر طهران إلى لبنان باعتباره مجرد دولة عربية صغيرة على شاطئ المتوسط، بل تعاملت معه كجزء أساسي من مشروعها الإقليمي الممتد من الخليج إلى البحر المتوسط. ومع تأسيس حزب الله في الثمانينيات، تحوّل لبنان تدريجيًا إلى إحدى أبرز ساحات النفوذ الإيراني وأكثرها حساسية، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المحاذي لإسرائيل، بل أيضًا بسبب تركيبته الطائفية الهشة وضعف دولته المزمن. واليوم، بعد كل الحروب والانهيارات التي مرّ بها لبنان، يعود السؤال بقوة: هل ما زال لبنان ضمن الورقة التفاوضية الإيرانية، أم أن التحولات الإقليمية بدأت تدفع نحو إخراجه منها؟

الواقع أن لبنان لم يكن يومًا خارج الحسابات الإيرانية. فمنذ عقود، استخدمت إيران نفوذها في لبنان كوسيلة ضغط في مفاوضاتها مع الغرب والولايات المتحدة، وكجزء من استراتيجية “توازن الردع” مع إسرائيل. ولذلك، كان أي تصعيد على الحدود اللبنانية الجنوبية يحمل دائمًا رسائل تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. فلبنان بالنسبة لطهران ليس مجرد حليف سياسي، بل قاعدة متقدمة في صراعها الإقليمي والدولي.

إيران لا تزال تنظر إلى لبنان كورقة استراتيجية مهمة. فهي تدرك أن خسارة نفوذها في لبنان تعني خسارة واحدة من أهم أدوات الضغط في المنطقة.

تحولات إقليمية تضغط على المعادلة القديمة

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت هذه المعادلة تواجه تحديات كبيرة. فالانهيار الاقتصادي اللبناني، والتبدلات الإقليمية، والضغوط الدولية، والحروب المتلاحقة في غزة والجنوب اللبناني، كلها عوامل وضعت لبنان أمام واقع جديد. فحتى داخل البيئة اللبنانية الحاضنة لحزب الله، ظهرت تساؤلات جدية حول جدوى استمرار ربط مصير لبنان بالمشروع الإيراني، خصوصًا بعدما أصبح اللبنانيون يدفعون أثمانًا باهظة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، من دون أن يلمسوا أي حماية فعلية لدولتهم أو أي مشروع إنقاذ حقيقي.

إيران، من جهتها، لا تزال تنظر إلى لبنان كورقة استراتيجية مهمة. فهي تدرك أن خسارة نفوذها في لبنان تعني خسارة واحدة من أهم أدوات الضغط في المنطقة. لذلك، تحرص دائمًا على إبقاء الساحة اللبنانية ضمن حساباتها التفاوضية، سواء في الملف النووي أو في مفاوضاتها غير المباشرة مع الولايات المتحدة، أو حتى في رسائلها المتبادلة مع إسرائيل. لكن السؤال الأهم لم يعد متعلقًا برغبة إيران فقط، بل بقدرتها الفعلية على الاحتفاظ بهذه الورقة كما كانت في السابق.

هل أصبح لبنان عبئًا بدل أن يكون ورقة قوة؟

فالمشهد الإقليمي تغيّر بصورة عميقة. إسرائيل باتت أكثر اندفاعًا نحو فرض وقائع أمنية جديدة على حدودها الشمالية، والولايات المتحدة أصبحت تميل أكثر إلى الفصل بين الملفات الإقليمية بدل جمعها ضمن “صفقة كبرى”، كما أن دول الخليج عادت إلى الساحة اللبنانية من بوابة دعم الدولة والمؤسسات بدل التسليم الكامل بسيطرة المحور الإيراني. أما داخليًا، فإن الانهيار اللبناني الشامل كشف حدود “اقتصاد المقاومة”، وأظهر أن النفوذ العسكري لا يكفي لبناء دولة أو حماية مجتمع من الانهيار.

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية نفسها عاجزة، حتى الآن، عن استعادة القرار الوطني بالكامل. فالسلطة السياسية لا تزال منقسمة، والمؤسسات ضعيفة، والقرار السيادي موزع بين القوى الداخلية والتأثيرات الخارجية. وهذا ما يسمح باستمرار استخدام لبنان كساحة تفاوض ورسائل متبادلة بين القوى الإقليمية والدولية. إذ لا يمكن لأي دولة أن تخرج من لعبة المحاور فيما قرار الحرب والسلم ليس حصرًا بيد مؤسساتها الدستورية.

المشكلة الأخطر أن لبنان لم يعد حتى ورقة تفاوض “رابحة” كما كان في مراحل سابقة. ففي السابق، كان النفوذ الإيراني في لبنان يُقدَّم كعنصر قوة واستقرار لمحور المقاومة. أما اليوم، فقد تحوّل لبنان نفسه إلى دولة منهارة، عاجزة عن تأمين الكهرباء والودائع والاستقرار الاجتماعي. وبالتالي، فإن استمرار استخدامه كورقة تفاوض قد يقود إلى استنزافه الكامل بدل حمايته. وهذا ما يجعل كثيرًا من اللبنانيين يشعرون بأن بلدهم لم يعد شريكًا في أي معادلة، بل مجرد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

إسرائيل باتت أكثر اندفاعًا نحو فرض وقائع أمنية جديدة على حدودها الشمالية، والولايات المتحدة أصبحت تميل أكثر إلى الفصل بين الملفات الإقليمية بدل جمعها ضمن “صفقة كبرى”

أزمة الداخل اللبناني: ما بين الفساد والسلاح خارج الدولة

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة أن جزءًا كبيرًا من الأزمة اللبنانية سببه أيضًا فشل الطبقة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية. فاختزال أزمة لبنان فقط بالنفوذ الإيراني يتجاهل عقودًا من الفساد والمحاصصة والانهيار المؤسساتي. إلا أن هذا لا يلغي أن وجود سلاح خارج إطار الدولة، وتحول لبنان إلى جزء من مشروع إقليمي عابر للحدود، قد منع أيضًا قيام دولة طبيعية قادرة على فرض سيادتها واستقلال قرارها.

اليوم، يبدو لبنان عالقًا بين مشروعين متناقضين: مشروع يريد إبقاءه ضمن محور إقليمي تقوده إيران تحت عنوان “المقاومة”، ومشروع آخر يدفع نحو إعادة دمجه في النظام العربي والدولي تحت عنوان “الدولة والسيادة”. وبين المشروعين، يقف اللبنانيون أمام انهيار غير مسبوق، فيما الدولة تكاد تفقد قدرتها على إدارة أبسط شؤون الناس.

الخروج من لعبة المحاور: هل ينجح اللبنانيون في استعادة الدولة؟

لكن الخروج من الورقة الإيرانية لا يتم بالشعارات ولا بالخطابات الحادة فقط. فهو يحتاج أولًا إلى بناء دولة فعلية قادرة على احتكار السلاح وفرض القانون وإعادة إنتاج الشرعية الوطنية. كما يحتاج إلى توافق لبناني واسع على مفهوم الدولة ودورها وعلاقتها بالخارج. فلبنان لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن محيطه، لكنه أيضًا لا يستطيع الاستمرار كساحة مستباحة لصراعات الآخرين.

التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين اليوم ليس فقط كيف يخرجون من النفوذ الإيراني، بل كيف يمنعون انتقال لبنان من وصاية إلى وصاية أخرى، ومن محور إلى محور آخر. فالدول لا تُبنى بالتبعية، بل بالمؤسسات والسيادة والاقتصاد المنتج والحياد الإيجابي القادر على حماية المصالح الوطنية.

قد يكون لبنان اليوم لا يزال ضمن الورقة التفاوضية الإيرانية، لكن الواضح أن هذه الورقة نفسها أصبحت أضعف وأكثر كلفة من أي وقت مضى. والسؤال الذي سيحدد مستقبل البلد ليس فقط ماذا تريد إيران من لبنان، بل ماذا يريد اللبنانيون أنفسهم من دولتهم: هل يريدون دولة طبيعية ذات سيادة كاملة، أم استمرار العيش داخل ساحات الصراع الإقليمي المفتوح؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من طهران ولا من واشنطن ولا من تل أبيب، بل من قدرة اللبنانيين على استعادة فكرة الدولة نفسها، وعلى اقتناعهم بأن بقاء لبنان رهينة التفاوض الخارجي سيقود، في النهاية، إلى إلغاء ما تبقى من الكيان اللبناني، وتحويل الوطن إلى مجرد ساحة تتبدل فوقها الرايات فيما يهاجر شعبه ويضيع مستقبله.

السابق
الخارجية الإيرانية: مقترحاتنا سخية وردنا على واشنطن يتضمن مطالب معقولة وتأخذ مصالح المنطقة بالاعتبار
التالي
ريال مدريد يحسم مستقبل كريستيانو جونيور.. هل يسير على خطى والده؟