يتركز الاهتمام على مسار الأحداث في المواجهة الأميركية الإيرانية. وتتصدر واجهة الأنباء هذه الأيام ما انتهت إليه هذه المواجهة بإعلان الجيش الأميركي، الاثنين، أنه دمر ستة زوارق إيرانية صغيرة واعترض صواريخ كروز وطائرات مسيّرة أطلقتها طهران، وذلك في مواجهة مساعي الجمهورية الإسلامية لإحباط عملية بحرية أميركية جديدة لفتح الملاحة في مضيق هرمز. وقد أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب العملية، التي أطلق عليها اسم (مشروع الحرية)، أول هذا الأسبوع في محاولة منه لانتزاع السيطرة على الممر المائي الحيوي من إيران بعدما أغلقته طهران فعليًا منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها في 28 شباط الماضي.
غزة تعود إلى الواجهة: دلالات تتجاوز القطاع
كان لافتًا أن ملف قطاع غزة، الذي أطلق مسار الأحداث في المنطقة عمومًا ولبنان خصوصًا منذ عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها حركة “حماس” في 7 تشرين الأول عام 2023، عاد في الأيام الأخيرة إلى مسرح الأحداث حاملًا دلالات لا بد من التأمل فيها، لاسيما ما يمكن أن يسقط منها على لبنان. ويشير الخط الواصل بين قطاع غزة ولبنان اليوم إلى أن “حماس” تمضي قدمًا في مسار مفاوضات مع إسرائيل، في حين أن لبنان بدأ للتو مثل هذه المفاوضات. فما هو المفيد من مواكبة الملف الغزّاوي في هذه المرحلة من أحداث لبنان ومسلك “حزب الله” المتماهي كليًا مع إيران، متجاهلًا أنه يقترب أكثر فأكثر من الحالة في القطاع الفلسطيني؟
حركة حماس ترفض البحث في ملف “سلاح المقاومة”، مشددًا على أنه “حق مشروع، وأن أي نقاش حوله مرفوض قبل التوصل إلى وقف دائم للحرب وترتيبات أمنية متبادلة”.
مفاوضات القاهرة: شروط متقابلة وتعقيدات متزايدة
حاليًا، تواجه مفاوضات القاهرة الدائرة بشأن غزة للمضي قدمًا في المرحلتين الأولى والثانية حالة من الضبابية، كما ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط”. وتشترط “حماس” والفصائل الفلسطينية أن يتم استكمال تنفيذ الأولى (ذات الالتزامات الإنسانية والمعيشية) من قبل إسرائيل، فيما تشترط الأخيرة أن يكون ذلك مقابل التزام من “حماس” بنزع سلاحها (أهم بنود المرحلة الثانية).
وتواكبت تصريحات لقيادي كبير في “حماس” عن رفض مناقشة ملف نزع السلاح من قطاع غزة مع إفادات لمسؤولين أمنيين إسرائيليين بتكثيف الضغوط العسكرية على الحركة، ما عزز القلق بين سكان القطاع من استئناف واسع للحرب بعد أشهر من اتفاق وقف النار بين الطرفين في تشرين الأول الماضي، تخللتها خروق إسرائيلية عدة.
وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لـ”حماس” وأحد أعضاء الفريق المفاوض، في تصريحات تلفزيونية مساء السبت الماضي، إن حركته ترفض البحث في ملف “سلاح المقاومة”، مشددًا على أنه “حق مشروع، وأن أي نقاش حوله مرفوض قبل التوصل إلى وقف دائم للحرب وترتيبات أمنية متبادلة”.
تهديدات إسرائيلية واستحضار دروس الماضي
ونسبت صحيفة “معاريف” العبرية لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير تصريحات خلال تفقده لقواته في لبنان، بأن “المعركة المقبلة يمكن أن تكون في قطاع غزة، لأنها لم تنتهِ بعد”، محذرًا من أنه “في حال عرقلت (حماس) مهمة نزع سلاحها، فإن الجيش سيضطر لاستئناف الحرب بكل شدة”.
وقال نعيم إن “حماس” لا تريد تسليم سلاحها حتى “لا تكرر خطأ (الفصائل الفلسطينية) عام 1982 في لبنان، ومجازر صبرا وشاتيلا”.
وكانت المفارقة في الرد الذي أتى على موقف قيادي “حماس”، فكتب جميل عبد النبي، وهو قيادي في المنطقة الشمالية بـ”الجهاد الإسلامي”، متسائلًا عبر صفحته في “فيسبوك” عما إذا كان هذا السلاح استطاع منع إسرائيل من ارتكاب المجازر بالقطاع، مشيرًا إلى أنه في صبرا وشاتيلا قُتل 3 آلاف فلسطيني، وفي غزة، بوجود السلاح، قُتل أكثر من 72 ألفًا على أقل تقدير.
زامير: “المعركة المقبلة يمكن أن تكون في قطاع غزة، لأنها لم تنتهِ بعد”، محذرًا من أنه “في حال عرقلت (حماس) مهمة نزع سلاحها، فإن الجيش سيضطر لاستئناف الحرب بكل شدة”.
كواليس المفاوضات: مرونة مشروطة ومخاوف أمنية
في هذا السياق، كشف الإعلام الإسرائيلي بعضًا من خفايا ما يدور خلف الكواليس في مفاوضات غزة الدائرة حاليًا. وأسهب تقرير نشرته “يديعوت أحرونوت” هذا الأسبوع في تسليط الأضواء على اتصالات أجراها مفوض “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، وممثل الإدارة الأميركية لشؤون التطبيع الاقتصادي، الحاخام آريه لايتستون، مع وفد من “حماس” وصل إلى القاهرة في منتصف نيسان الماضي. ووفقًا لملادينوف، أسفرت هذه الاتصالات عن تفاهمات أولية يجب مواصلة مناقشتها بشكل عاجل “كي لا نفقد الزخم”، لذلك من المرجح أنه يرغب في الحصول على رد إسرائيل عليها في أقرب وقت ممكن.
تضيف الصحيفة العبرية في تقريرها أنه، بحسب مصادر مطّلعة على فحوى المحادثات التي جرت في القاهرة، هناك استعداد مبدئي من طرف “حماس” لمناقشة تفكيك جزئي للسلاح يتم على مراحل. ومن المرجّح أن الحديث يتناول ما يُعرّف بـ”السلاح الثقيل” ذي المسار المنحني، مثل الصواريخ والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون المتوسطة والثقيلة والصواريخ المضادة للدروع والرشاشات الثقيلة والطائرات المسيّرة (الدرونز)، وربما أيضًا العبوات الناسفة الثقيلة؛ لكن التنظيم يرفض نزع سلاحه الخفيف: المسدسات، والبنادق، والرشاشات الخفيفة، وقاذفات RPG، والقنابل اليدوية (وهي قائمة جزئية لا يزال تركيبها، حتى وفقًا لرؤية “حماس”، خاضعًا للتفاوض).
وبررت “حماس” معارضتها القاطعة لنزع سلاحها بخوفها على حياة عناصرها وعائلاتهم. ووفقًا لكبار مسؤولي التنظيم في القاهرة، إذا سلّم عناصر “حماس” أسلحتهم الشخصية لطرف ثالث – سواء أكان ذلك الطرف قوة تثبيت متعددة الجنسيات (ISF)، أو حتى السلطة الفلسطينية – فلن يتمكنوا، هم وعائلاتهم، من الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الميليشيات العائلية التي تعمل ضدهم، بدعم وتشجيع من الشاباك والجيش الإسرائيلي. والأسوأ من ذلك، بحسب ادّعائهم، أنهم سيكونون عرضة لأعمال ثأر وانتقام دموية من مدنيين عانوا جرّاء جرائم قتل وتعذيب وإهانات وسرقة أملاك.
ملفات عالقة: الأنفاق والقيادات ومستقبل السيطرة
ولم يتضح موقف “حماس” من مطلب إسرائيل بأن تقوم، هي و”الجهاد الإسلامي”، بتسليم خريطة الأنفاق التي حفروها بهدف تدميرها. صحيح أن الجيش الإسرائيلي دمّر جزءًا كبيرًا من أنفاق القتال الرئيسية، وأن عملية تحييدها مستمرة بوتيرة سريعة حتى في الأيام الحالية، وخصوصًا شرق الخط الأصفر، لكن وفق التقديرات لا تزال هناك مئات الكيلومترات من الأنفاق في المنطقة التي تسيطر عليها “حماس” في وسط القطاع.
ولم يُعرف موقف الحركة من مطلب إسرائيل بتسليم وسائل إنتاج العتاد العسكري ومواد المتفجرات، وكذلك من مطلب ترحيل قادة “حماس” من القطاع.
وفي السياق، قبلت “حماس” أن تتولى اللجنة الوطنية الحكم المدني، وأن تدير شؤون الصحة والتجارة والتعليم وشبكات الصرف الصحي، لكن “حماس” ستبقى – على غرار حزب الله في لبنان – قوة مسلحة رئيسية تسيطر على القطاع من وراء الكواليس. إلا أن الجيش الإسرائيلي لا ينوي السماح للحركة بتنفيذ خطتها.
لم يتضح موقف “حماس” من مطلب إسرائيل بأن تقوم، هي و”الجهاد الإسلامي”، بتسليم خريطة الأنفاق التي حفروها بهدف تدميرها
تحولات داخلية: تراجع التأييد وصعود البدائل
وفي هذا المشهد غير المشجع، يمكن ملاحظة تطورين قد يُعتبران إيجابيين من وجهة نظر إسرائيلية: أولهما نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في دير البلح، وهي منطقة خاضعة لسيطرة “حماس”. فرغم أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 23 في المئة من أصل 70 ألف ناخب مؤهل، إلا أن حركة “فتح” فازت بأغلبية ساحقة من مقاعد البلدية.
أما التطور الثاني، فهو التراجع الحاد في تأييد “حماس” بين سكان غزة، وهو ما يتضح من استطلاعات الرأي الموثوقة عمومًا التي أجراها الدكتور خليل الشقاقي في غزة ومناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ انخفاض تأييد “حماس” بين سكان غزة من 70 في المئة بعد 7 أكتوبر 2023 إلى أقل من 40 في المئة حاليًا، بينما لا يزال تأييدها مرتفعًا بين الفلسطينيين في الضفة الغربية (حوالي 60 في المئة).
صوت الشارع: أولوية الحياة على السلاح
ويقول الشاب همام جلال (29 عامًا)، وهو من سكان غزة ودارس للعلوم السياسية في جامعة الأزهر بالقطاع، إن “التصريحات الإعلامية لربما يكون هدفها الضغط على الفصائل الفلسطينية التي تتمسك بسلاحها”، مبينًا أن “موقف الفصائل قد يكون شرعيًا لها من وجهة نظرها، لكن في ظل الواقع الحالي والظروف التي تحيط بواقع السكان وإمكانية اتخاذ إسرائيل ذريعة لاستكمال الحرب وتدمير ما تبقى في القطاع، فإن الأولوية هي حياة الناس”.
ولخص الشاب الغزّي موقفه عبر صحيفة “الشرق الأوسط” بالقول: “انتقاد المواطنين لموقف (حماس) أو غيرها، لا يعني أننا مع مواقف إسرائيل من السلاح أو غير ذلك، لكن الجميع هنا في غزة ملّ الحرب، ويريد للحياة أن تعود كما كانت”.
السؤال اللبناني: هل ما قرأناه الآن حول غزة سنقرأه قريبًا حول “حزب الله” في لبنان؟

