بين الشعارات والأنقاض: إعادة تعريف الكرامة في لبنان من احتلال إلى احتلال، ومن حرب إلى حرب

لبنان

لا تبدأ المأساة حين تسقط القذائف، بل حين تتحول نتائجها إلى خطابٍ مُبرَّر، وإلى شعارات تُرفع فوق أنقاض البيوت المهدّمة. في كل مرة يُستحضر فيها منطق الحرب على لبنان باسم “المقاومة”، تُستحضر معه مفردات جاهزة: النصر، الكرامة، العزة، والصبر. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: أي كرامةٍ هذه التي تمرّ عبر تهجير الناس وسحق بيوتهم؟ وأي نصرٍ يُقاس بعدد الضحايا لا بعدد من حُفظت حياتهم؟

في لبنان، لم تعد المسألة حدثًا عابرًا، بل نمطًا متكررًا ومركّبًا: من احتلالٍ إلى احتلال، ومن قضمٍ للأراضي إلى جولات حرب متتالية. أرض تُنتقص أو تُستباح، وبيوت تُهدم ثم تُبنى ثم تُهدم مجددًا، وناس يُهجّرون أكثر من مرة. أجيال تنشأ على فكرة أن الاستقرار مجرد هدنة مؤقتة، وأن السيادة نفسها غير مكتملة. هذا ليس توصيفًا سياسيًا بقدر ما هو واقع يومي: خسارة في الأرض، وخسارة في الأمان، وخسارة في المستقبل.

توظيف الكرامة

المشكلة ليست في القيم، بل في طريقة توظيفها. فالكرامة، في معناها الإنساني، ليست شعارًا يُرفع في زمن الحرب، بل حالة يعيشها الإنسان حين يكون آمنًا على نفسه وأهله، قادرًا على العمل، وعلى بناء حياة لا تُهدم كل بضع سنوات. وحين تُختزل الكرامة في تحمّل الألم، بينما تُقضم الأرض وتُستنزف الدولة، يصبح المعنى نفسه موضع شك.

هنا يبرز التناقض الذي لا يمكن الهروب منه:

إذا كان الهدف حماية الأرض، فلماذا تستمر خسارتها أو انتقاصها؟

وإذا كان الهدف حماية الناس، فلماذا تكون النتيجة المتكررة تعريضهم للخطر؟

وإذا كان هذا نصرًا، فلماذا لا ينعكس سيادةً كاملة واستقرارًا دائمًا؟

الأخطر في هذا الخطاب أنه يُعيد تعريف الألم بوصفه فضيلة، لا بوصفه خللًا يجب معالجته، ويحوّل الخسارة إلى سردية قابلة للتبرير. وهنا يكمن الانحراف: ليس في فكرة الدفاع عن الأرض كحق، بل في تحويل النتائج السلبية المتكررة إلى حالة طبيعية، بل مطلوبة أحيانًا.

دينيًا، لا يمكن القفز فوق قاعدة أساسية: حفظ النفس وحفظ الأرض معًا. فلا معنى لأي مشروع، مهما كان عنوانه، إذا كان ثمنه المستمر هو الإنسان، بينما تبقى الأرض عرضة للانتهاك. الصبر ليس قبولًا دائمًا بالخسارة، بل قدرة على تجاوزها ومنع تكرارها.

من يقرر؟ ومن يدفع الثمن؟

حين تُتخذ قرارات كبرى تؤدي إلى دمار واسع وخسائر في الأرض، دون استشارة فعلية للمجتمع، ودون توزيع عادل للكلفة، فنحن لا نكون أمام “تضحية جماعية”، بل أمام تحميلٍ جماعي للنتائج.

اجتماعيًا، ما يحدث في لبنان هو استنزاف مزدوج: مجتمع يُرهق بالحروب، ودولة تُضعف بتآكل سيادتها. فقر يتعمّق، طبقة وسطى تتآكل، هجرة تتسارع، وثقة تتلاشى. كيف يمكن لمجتمع أن يتماسك وهو يُعاد دفعه إلى نقطة الصفر، مرة بعد مرة؟

أما استراتيجيًا، فالسؤال يجب أن يكون مباشرًا:

ما الذي تحقق فعليًا على مستوى الأرض والسيادة؟

هل توقّف القضم أو الانتهاك؟

أم أننا أمام دائرة مغلقة: خسارة، ثم حرب، ثم إعادة إعمار، ثم خسارة جديدة؟

إذا كانت الكلفة البشرية والاقتصادية تتكرر، والسيادة تبقى منقوصة، فإن إعادة النظر ليست خيانة، بل ضرورة وطنية.

إن دحض الشعارات لا يكون فقط برفضها، بل بإعادة تعريفها من موقع يحمي الإنسان والأرض معًا:

● الكرامة ليست في تحمّل الألم، بل في حماية الإنسان ومنع خسارة الأرض

● الصمود ليس في البقاء تحت الركام، بل في تثبيت الاستقرار والسيادة

● القوة ليست في القدرة على الرد فقط، بل في القدرة على منع التعدي أصلًا

والبديل ليس الاستسلام، كما يُصوَّر، بل الانتقال إلى مقاربة مسؤولة:

مقاربة تُقدّم حماية الإنسان على اختبار قدرته على التحمّل، وتقيس القرارات بنتائجها لا بشعاراتها، وتفهم أن السيادة لا تُبنى بردود الفعل، بل باستراتيجية تمنع تكرار الخسارة.

المعركة الحقيقية اليوم في لبنان ليست فقط على الأرض، بل على المعنى: من يحدد ماذا تعني الكرامة، ومن يملك حق تعريف “النصر” و”السيادة”.

فإما أن تبقى هذه المفاهيم أدوات تعبئة، أو تُعاد إلى أصحابها الحقيقيين: الناس الذين يخسرون أرضهم وبيوتهم ومستقبلهم.

حينها فقط، يتغير السؤال:

ليس كيف نصمد في وجه الدمار، بل كيف نمنع أن يصبح الدمار وخسارة الأرض قدرًا دائمًا.

السابق
خراب مشاعرنا الانسانية
التالي
لبنان بين تثبيت وقف إطلاق النّار واستعادة الدّولة نحو سيادةٍ مكتملة وسلامٍ مستدام!