من رياض الصلح إلى رفيق الحريري وصولاً إلى نواف سلام.. مسار رجال الدولة في انتزاع الاستقلال وكسر الوصايات عن لبنان

نواف سلام
لبنان لم يكن يوماً وطناً صغيراً في المعنى، بل كبيراً كلما امتلك شجاعة قول (لا)في وجه من يريد مصادرته،هذا البلد وُلد من فكرة الحرية، وعاش على عناد أبنائه، ولن يُكتب مستقبله إلا بأيدي من يؤمنون أن الكرامة الوطنية ليست مادة تفاوض، وأن السيادة ليست بنداً قابلاً للتأجيل.

في تاريخ الشعوب، هناك أوطان تُختبر في لحظات مفصلية، فتسقط أو تصنع مجدها،ولبنان، منذ ولادته الحديثة، لم يكن مجرد كيان صغير في قلب شرق مضطرب، بل فكرة حرية قاومت كل محاولات الإخضاع، وكل مشاريع الوصاية، وكل محاولات تحويله إلى ساحة مستباحة لقرارات الآخرين.

هذا البلد لم يكن يوماً قوياً بعدده أو موارده، بل بإرادة أبنائه كلما قرروا أن السيادة ليست شعاراً، بل شرط وجود.

من رياض الصلح إلى رفيق الحريري، وصولاً إلى نواف سلام، لا يُقاس تاريخ لبنان بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي نهض فيها من تحت ثقل الوصايات، وقرر أن يستعيد نفسه بنفسه.

في كل مرحلة مصيرية، كان هناك رجال دولة فهموا أن لبنان لا يُحمى بالخطب، بل بالمؤسسات، ولا يُصان بالتسويات المذلة، بل بالقرار الحر.

في عام ١٩٤٣ قاد رياض الصلح مع رجال الاستقلال لحظة التأسيس الأولى، حين أُسقطت المواد الدستورية التي كرّست الانتداب الفرنسي، ودفعوا ثمن ذلك اعتقالاً ومواجهةً وصموداً، حتى انتزع اللبنانيون استقلالهم الأول بإرادة وطنية صلبة،يومها، لم يكن الجلاء مجرد انسحاب جيش، بل ولادة جمهورية قررت أن الكرامة الوطنية لا تُستجدى، وأن لبنان لا يُكتب من خارج إرادة أبنائه.

في كل مرحلة مصيرية، كان هناك رجال دولة فهموا أن لبنان لا يُحمى بالخطب، بل بالمؤسسات، ولا يُصان بالتسويات المذلة، بل بالقرار الحر

ثم جاء زمن الحرب والخراب والوصاية الثقيلة، حين كاد لبنان أن يتحول إلى مجرد ساحة ملحقة بإرادة الخارج،في تلك المرحلة، لم يكن رفيق الحريري مجرد رئيس حكومة، بل مشروع دولة ونهوض،أعاد إعمار ما دمرته الحرب، وأعاد فتح أبواب الاقتصاد والتعليم والاستثمار، وربط لبنان بمحيطه العربي الطبيعي، رافضاً أن يكون البلد رهينة الخراب أو أسير العزلة.

لم يكن مشروعه مشروع إسمنت وحجر فحسب، بل مشروع استعادة ثقة اللبنانيين بوطنهم، وبأن الدولة قادرة على أن تكون ملاذاً لا عبئاً.

وحين صار هذا المشروع تهديداً مباشراً لمنظومة الوصاية السورية التي كانت تمسك بمفاصل القرار اللبناني، جاء اغتياله في الرابع عشر من شباط ٢٠٠٥ كجريمة استهدفت رجلاً ووطنًا وحلمًا.

لكن ما أُريد له أن يكون لحظة ترهيب، تحوّل إلى لحظة صحوة وطنية كبرى،خرج اللبنانيون إلى الساحات، لا بدافع الحزن وحده، بل بدافع الكرامة الوطنية الجريحة، رافعين مطلباً واضحاً: إنهاء الوصاية، واستعادة القرار الوطني.

ومن رحم الدم، وُلد الاستقلال الثاني،فكانت انتفاضة الاستقلال محطة فاصلة أعادت للبنان صوته، وأفضت إلى خروج الجيش السوري من لبنان بعد عقود من الهيمنة.

وما تلا ذلك من مسلسل دموي استهدف رفاق درب السيادة — سمير قصير، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، أنطوان غانم، وسام الحسن، وسام عيد، محمد شطح، وسواهم من شهداء الكلمة والموقف — لم يكن سوى الدليل الصارخ على أن المعركة لم تكن يوماً على سلطة أو نفوذ، بل على وجه لبنان نفسه: هل يبقى وطناً حراً سيداً مستقلاً، أم يتحول إلى وظيفة في مشروع خارجي؟ غير أن الدم، كما في كل محطات الشعوب الحية، لم يتحول إلى خوف، بل إلى ذاكرة مقاومة رسخت أن السيادة لا تُستعاد إلا بالتضحية.

واليوم، يقف لبنان للمرة الثالثة أمام امتحان سيادي لا يقل خطورة عن محطات التأسيس والتحرير،فبعد سنوات من الانهيار، وتغليب منطق السلاح على منطق الدولة، وتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراعات الإقليم، جاءت حكومة نواف سلام في لحظة شديدة الحساسية، لا لتدير الأزمة كما فعلت حكومات التسويات، بل لتخوض معركة استعادة القرار الوطني من منطق الفرض والوصاية.

ومن رحم الدم، وُلد الاستقلال الثاني،فكانت انتفاضة الاستقلال محطة فاصلة أعادت للبنان صوته، وأفضت إلى خروج الجيش السوري من لبنان بعد عقود من الهيمنة

في خضم التصعيد الإقليمي، ومع محاولات واضحة لزج لبنان مجدداً في بازار التفاوض الإقليمي، خرج نواف سلام بموقف سيادي حاسم قال فيه بوضوح: لا أحد يفاوض عن لبنان إلا الدولة اللبنانية،لم يكن هذا التصريح مجرد موقف سياسي عابر، بل إعلاناً صريحاً بأن زمن مصادرة القرار اللبناني لم يعد مقبولاً، وأن لبنان ليس ملحقاً بأي محور، ولا ورقة تفاوض تُدار من خارج حدوده.

هذا الموقف لم يكن سهلاً، ولا شعبوياً، ولا موجهاً للاستهلاك،لقد جاء في لحظة كانت البلاد تتعرض فيها لضغط سياسي وأمني هائل، فيما كانت بعض القوى تحاول تكريس منطق أن الحرب والسلم شأنٌ يُقرَّر خارج مؤسسات الدولة.

لكن نواف سلام اختار أن يقف في الجهة الأصعب: جهة السيادة، لا جهة التسويات. وهو بذلك لم يواجه فقط ضغوط الخارج، بل أيضاً حملات تخوين شرسة، ومحاولات تشويه وابتزاز سياسي، فقط لأنه قال الحقيقة التي يخشاها أصحاب فائض القوة: أن لبنان لا يُحكم إلا من بيروت، ولا يُمثَّل إلا عبر مؤسساته الشرعية.

من رياض الصلح إلى رفيق الحريري إلى نواف سلام، يتكرر الدرس نفسه: لبنان لا ينهض إلا حين ينتصر مشروع الدولة على مشروع الغلبة، وحين يقرر رجاله أن الوطن أكبر من كل وصاية، و ابقى من كل احتلال واقوى من كل من راهن على كسره

وما يمنح هذه اللحظة وزنها التاريخي، أن نواف سلام لم يكتفِ بإطلاق موقف، بل ربطه بمشروع واضح: إعادة الاعتبار للدستور، حصرية السلاح بيد الدولة، احتكار قرار الحرب والسلم، حماية اللبنانيين عبر الشرعية والمؤسسات، ومنع تحويل الوطن إلى منصة لتصفية حسابات الآخرين.

هذه ليست تفاصيل إدارية، بل جوهر فكرة الدولة نفسها،وهنا تحديداً، يسطّر وزراء هذه الحكومة، في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً، معنى المسؤولية الوطنية الحقيقية: الولاء للبنان لا للمحاور، للدستور لا لفائض القوة، وللناس لا لاقتصاد الابتزاز السياسي.

لبنان لم يكن يوماً وطناً صغيراً في المعنى، بل كبيراً كلما امتلك شجاعة قول (لا)في وجه من يريد مصادرته،هذا البلد وُلد من فكرة الحرية، وعاش على عناد أبنائه، ولن يُكتب مستقبله إلا بأيدي من يؤمنون أن الكرامة الوطنية ليست مادة تفاوض، وأن السيادة ليست بنداً قابلاً للتأجيل.

من رياض الصلح إلى رفيق الحريري إلى نواف سلام، يتكرر الدرس نفسه: لبنان لا ينهض إلا حين ينتصر مشروع الدولة على مشروع الغلبة، وحين يقرر رجاله أن الوطن أكبر من كل وصاية، و ابقى من كل احتلال واقوى من كل من راهن على كسره…..

السابق
لماذا لا يمكن لحزب الله أن يتخلى عن سلاحه؟
التالي
انطلاق المحادثات الثلاثية في إسلام آباد: مساعٍ ديبلوماسية لخفض التصعيد ومعالجة الملفات الشائكة