شهر من الحرب يضع البلاد أمام «كارثة إنسانية» وصدام سياسي مفتوح.. هل يغادر السفير الإيراني بيروت؟

الغارات على الضاحية

مع اقتراب الحرب المتدحرجة بين إسرائيل و«حزب الله» من إنهاء شهرها الأول، تدخل الساحة اللبنانية نفقاً مظلماً لا تلوح في نهايته أي آفاق زمنية للحل.

وبينما تشتعل الجبهات الميدانية بـ «احتدام قياسي»، يواجه الداخل اللبناني حالة من الهشاشة القصوى، نتيجة تقاطع الغارات العنيفة مع أزمة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة وضعت هيبة الدولة ومؤسساتها على المحك.

وشهدت الساعات الماضية تحولاً نوعياً في مسار المواجهة؛ فبعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، وتحديداً مناطق «حارة حريك، الغبيري، المريجة، وتحويطة الغدير»، انتقلت المعركة إلى مستوى الصدام المباشر فوق العاصمة.

  • مفاجأة «أرض – جو»: أعلن «حزب الله» عن تصديه لطائرة حربية إسرائيلية في سماء بيروت بصاروخ «أرض – جو»، وهو تطور اعتبرته مصادر رسمية «خطيراً للغاية»، كونه يعلن رسمياً تحويل بيروت إلى منصة انطلاق للصواريخ. وأثارت هذه الخطوة مخاوف من منح إسرائيل ذريعة لتوسيع بنك أهدافها ليشمل قلب العاصمة وأحيائها السكنية، مما يجهض جهود الدولة لتحييد المدنيين.
  • استهداف «الجناح» والسفارة: طالت الغارات محطة «الأمانة» القريبة من السفارة الإيرانية في منطقة الجناح، بالتوازي مع استهداف شقة سكنية في «تحويطة الغدير» بثلاثة صواريخ دون سابق إنذار، مما أدى إلى سقوط جرحى واندلاع حرائق واسعة.
  • الجبهة الجنوبية: ميدانياً، لا يزال التوغل البري الإسرائيلي يواجه مقاومة عنيفة في قرى «الحافة الأمامية». وأقر الجيش الإسرائيلي بالعثور على منشآت تحت أرضية قتالية في محيط كنيسة بقرية الخيام، بينما تشير تقارير «رويترز» إلى أن الحزب فقد أكثر من ٤٠٠ مقاتل منذ بدء المواجهات في ٢ آذار.

الأزمة الدبلوماسية: معركة «السفير الإيراني» ومهلة الأحد

سياسياً، يخيم الجمود على المشهد في انتظار ما ستحمله الساعات المقبلة من تداعيات لقرار الحكومة اللبنانية بـ «طرد السفير الإيراني».

  • مهلة الـ ٤٨ ساعة: تنتهي المهلة المحددة لمغادرة السفير غداً الأحد، وسط انقسام داخلي حاد. فبينما يتمسك «الثنائي الشيعي» (أمل وحزب الله) برفض القرار ودعوة السفير للبقاء، بل وتنظيم تجمعات شعبية داعمة له، تؤكد مصادر حكومية أن التراجع عن القرار غير وارد حفاظاً على ما تبقى من «هيبة الدولة».
  • مأزق الحصانة: يواجه السفير خطر فقدان حصانته الدبلوماسية رسمياً بعد انقضاء المهلة، مما يضع البلاد أمام «كباش» دستوري وأمني قد يترجم باحتكاك مباشر في الشارع أو بشلل كامل في العمل الحكومي.
  • تمرد وزاري: برزت في هذا السياق خطوة وزير التنمية الإدارية فادي مكي، الذي كسر قرار مقاطعة وزراء الثنائي لجلسات الحكومة، كاشفاً عن اتصال جرى بينه وبين الرئيس نبيه بري، حيث رفض مكي الاستجابة لطلب المقاطعة مفضلاً حضور الجلسات وممارسة مهامه الوزارية.

الكارثة الإنسانية: «مليون نازح» وصرخة أممية

إنسانياً، تجاوز الوضع حدود القدرة اللبنانية على الاحتمال. وحذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من أن لبنان يواجه «خطر فعلي لكارثة إنسانية».

  • أرقام الصدمة: أفادت ممثلة المفوضية كارولينا ليندهولم بيلينغ بأن أكثر من مليون شخص هُجروا قسراً من منازلهم خلال أقل من شهر. هذا النزوح الهائل وضع ضغطاً ديموغرافياً واجتماعياً هائلاً على المناطق المضيفة، وسط مخاوف من تحول هذا النزوح إلى إقامة طويلة الأمد قد تفجر توترات داخلية، خصوصاً بعد توقعات بإطالة أمد الحرب.
  • إنذارات الإخلاء: يواصل الجيش الإسرائيلي استخدام سلاح «الإنذارات العاجلة» لإفراغ أحياء كاملة في الضاحية الجنوبية، مما يحول مناطق كانت تنبض بالحياة إلى «مدن أشباح» تحت ركام الغارات المتواصلة.

الموقف الإسرائيلي: تهديد بتفكيك السلاح

من جانبه، رفع الجيش الإسرائيلي من سقف تهديداته، معلناً صراحة: «إذا لم تفكك حكومة لبنان سلاح حزب الله، سنفعل نحن ذلك». هذا الموقف يشي بأن الأهداف الإسرائيلية لم تعد تقتصر على إبعاد الحزب عن الحدود، بل تمتد لتفكيك بنيته التحتية في العمق، وهو ما يفسر كثافة الغارات على الضاحية والبقاع واستهداف الخطوط الخلفية للإمداد.

ويقف لبنان اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فبين «اندفاعة حزب الله» لتصعيد المواجهة واستخدام العاصمة كمنصة عسكرية، وبين إصرار إسرائيل على تغيير الواقع الميداني بالقوة، تبدو الدولة اللبنانية مكبلة بالأزمات الدبلوماسية والسياسية.

السؤال الذي يطرحه الشارع اللبناني اليوم: هل تنجح المساعي الدولية في لجم التصعيد قبل «انفجار الكارثة» الشاملة؟ أم أن لبنان يتجه ليصبح ساحة حرب مفتوحة لا سقف لها، يدفع ثمنها المدنيون من أمنهم، بيوتهم، ومستقبل وطنهم؟

السابق
أسرار الصحف الصادرة صباح اليوم السبت 28 آذار 2026
التالي
«جمود دبلوماسي قاتل»: لا مبادرات جديّة لوقف الحرب.. وباريس والقاهرة خارج قدرة «التأثير»