ثمة مشكلة عصيّة عن الحل، نتيجة عقم تفكير حزب الله وقيادته عن استخلاص العِبر من الحروب والمغامرات السابقة، واستمراره في عملية الانتحار التي يسير فيها عبر حرب إسناد طهران، وهو في تلك الحرب مجرد أرقام لا معنى لها في العديد والعتاد، ولا تُقدّم أو تؤخّر في نتائجها، بل هو مستمر في إرسال رجاله إلى الموت، مع تضليلٍ إعلامي عبر أدواته الإعلامية، والحديث عن استهداف الجيش الإسرائيلي، ولكن هذه المرة في قرى وبلدات لبنانية هي: الطيبة، ورب ثلاثين، وعديسة، والناقورة، والظهيرة، ويارين، بعد أن كانت سابقاً استهدافات في مدن وبلدات شمال فلسطين المحتلة، وبذلك يُسجّل حزب الله للمرة الأولى في التاريخ أنه المقاومة الوحيدة التي تستجلب الاحتلال، بعد أن كانت سابقاً تدّعي التحرير الذي جعلوه عيداً وموعداً للاحتفال بتحرير الأرض.
من الشريط الحدودي إلى تدمير القرى الجنوبية
ففي حرب إسناد غزة، احتلت إسرائيل قرى الشريط الحدودي المحتل، والذي أقامته بعد اجتياح العام ١٩٧٨، وبلغ حينها لعمق يتراوح بين ٨ و١٠ كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بدءاً من الناقورة في القطاع الغربي، مروراً بالقطاع الأوسط – أي منطقة بنت جبيل ومحيطها – وصولاً إلى القطاع الشرقي في قضائي حاصبيا ومرجعيون، وفي حرب إسناد غزة بقي جماعة حزب الله يُردّدون مقولات تصدّي المقاومة، وبأن قوات العدو لم تستطع دخول متراً واحداً في الأراضي اللبنانية، بينما هي دخلت ودمّرت عشرات القرى والبلدات الجنوبية المجبولة بدم وعرق اللبنانيين الجنوبيين، ولم تخرج منها إلا بعد أن جعلتها ركاماً وخراباً.
من إسناد غزة إلى إسناد طهران
ولم يكد الجنوبيون أن يُلملموا جراحهم حتى أتت حرب إسناد طهران، انتقاماً وثأراً لولي الفقيه الخامنئي،
وهم بذلك يخوضون عملية انتحار جديدة ستقضي على من تبقّى منهم، وعلى آخر ما بقي من قرى وبلدات جنوبية سَلِمت في الحرب الماضية من التدمير والتفجير.
الاجتياح الجديد: إلى صور أم إلى الليطاني؟
وهنا، هل ستُعيد إسرائيل تجربة اجتياح العام ١٩٧٨ حين وصلت لمشارف مدينة صور، فاحتلت القرى والبلدات المحيطة بمدينة صور، فوصلت قواتها إلى بلدة ديرقانون رأس العين وباتوليه جنوباً، وبلدات عين بعال والبازورية شرقاً، وبلدات العباسية وبرج رحال شمالاً، وأبقت على الشريط الساحلي من مخيم الرشيدية جنوب مدينة صور، وصولاً إلى قرى وبلدات الشبريحة والبرغلية، وصولاً إلى جسر القاسمية الفاصل بين قضائي صور والزهراني – صيدا شمالاً، وبذلك أبقت على معبر القاسمية الواصل المنطقة بمنطقة الزهراني – صيدا شمالاً مفتوحاً؟
أم أنها تصل إلى نهر الليطاني وتُقفل ذلك المعبر وتحتل منطقة جنوبي الليطاني، فتفصلها عن لبنان، وتُحقّق مقولة وزير المالية الصهيوني بتسلائيل سموترتش بأن حدود إسرائيل يجب أن تكون على حدود نهر الليطاني؟؟
مقاومة تستجلب الاحتلال بدل التحرير
وبذلك تكون مغامرات وحروب حزب الله أتت بالاحتلال من جديد لمناطق واسعة من الجنوب اللبناني، وهو على اختلاف كل ما تعمل لتحقيقه المقاومات التي مرّت في تاريخ لبنان، والتاريخ الحديث لعمل المقاومة.
الأثمان البشرية والإنسانية الكارثية
هذا عدا عن تدمير قرى وبلدات كثيرة يقوم بها طيران الاحتلال وفرقه العسكرية العاملة على أرض الجنوب، والتي بلغت خمسة فرق حتى اليوم، وقد أحصت وزارة الصحة اللبنانية ما يُقارب ١١٤٢ شهيداً وشهيدة من المدنيين، ومنهم ما يزيد عن مئة طفل، قُتلوا في هذه الحرب، وما يزيد عن ٢٥٠٠ مُصاب، عدا عن أكثر من مليون نازح ومُهجّر، ورغم ذلك يُشيع إعلام حزب الله وأدواته عن انتصارات حالية وقادمة، وعن عمليات ثأر سيقوم الحزب بها بعد أن تنتهي الحرب، انتقاماً من صهاينة الداخل وفق تعبير أدواته وأبواقه الإعلامية، عدا عن تخوينه لشريحة كبيرة من اللبنانيين الذين يختلف معهم في الرأي، واتهامهم بالعمالة لإسرائيل، رغم أن كل العملاء والخونة سابقاً وحالياً خرجوا من صفوف حزب الله وبيئته اللصيقة تحديداً، وعلى وجه الخصوص.
من الحرب الخارجية إلى خطر الفتنة الداخلية
لذا، لبنان لا يُعاني فقط من نتيجة حروب ومغامرات حزب الله، بل يتعدّى ذلك إلى خلق الفتن والقلاقل الداخلية التي قد تؤسس إلى حروب داخلية، نتيجة هكذا شحن وتوتير مذهبي وطائفي بين أبناء الشعب الواحد، وهنا على الدولة أن تحسم وتحزم أمرها، وتتصدى لهذا النوع من التحريض والشحن المذهبي الذي قد يؤسس لفتن متنقّلة وحروب أهلية متنوعة، وخصوصاً أن المُحرّضين والذين يقومون بهذا العمل التحريضي والشحن معروفون بالأسماء والعناوين، وليسوا أشباحاً غير موجودين، كما على الدولة وأجهزتها أن تمتلك ليس حصرية السلاح فقط، بل حصرية الاهتمام بالنازحين وأماكن وجودهم، وتمنع استغلالهم من قبل جماعة الثنائي المذهبي، وفي ذلك منعاً لكل مظاهر الفتنة التي يحاولون بثّها وتوسيع أماكن إشعالها، ووأدها في مهدها.

