يزداد المشهد اللبناني تعقيدًا مع اقتراب الحرب من شهرها الأول. فمع القصف الإسرائيلي المتواصل على الجنوب، امتدّت الاستهدافات إلى مداخل العاصمة بيروت، لا سيما خلدة وعرمون، إضافة إلى مناطق في البقاع. ويتزامن ذلك مع تداعيات قرار وزارة الخارجية اللبنانية طرد السفير الإيراني والقائم بالأعمال، ما يضع البلاد أمام مسارين متوازيين: استمرار العدوان الإسرائيلي من جهة، وتصاعد توتر داخلي قد يهدد السلم الأهلي من جهة أخرى.
ميدانيًا: جنوب مشتعل ورسائل ايرانيّة نارية
تتواصل الاستهدافات الإسرائيلية على جنوب لبنان، وسط هدوء حذر في الضاحية الجنوبية لبيروت. إلا أن التطور الأبرز سُجّل على الساحل، حيث تساقطت شظايا صاروخ ايراني انفجر في اجواء منطقة كسروان، وامتدت إلى بلدات حارة صخر، غزير، شننعير، كفرذبيان وصولًا إلى اللقلوق، ما أثار حالة هلع واسعة بين السكان.
المعطيات الأمنية الأولية تشير إلى أن الصاروخ كان موجّهًا نحو السفارة الأميركية في عوكر قبل اعتراضه من قبل صاروخ اميركي انطلق من قاعدة حامات. ورغم غموض التفاصيل التقنية، فإن دلالات الحدث واضحة: لبنان لم يعد ساحة خلفية، بل تحوّل إلى منصة رسائل مباشرة بين طهران وواشنطن.
وفي قراءة أوسع، تبدو هذه الحادثة مرتبطة بالسياق السياسي، إذ تعكس محاولة إيرانية لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك، مفادها أن أي استهداف لنفوذها سيُقابل برد مباشر داخل الساحة اللبنانية، خصوصا بعد قرار وزارة الخارجية صباح امس بطرد السفير الايراني المعيّن حديثا في بيروت، بسبب تدخل بلاده بالشؤون الداخلية اللبنانية سياسيا وامنيا حسب بيان وزير الخارجية يوسف رجي.
تطورات الجنوب: غارات واشتباكات ميدانية متواصلة
شهد اليوم تطورات ميدانية عبر غارات إسرائيلية استهدفت بلدات الحنية (قضاء صور)، رشاف، وكفرا، بالتزامن مع اشتباكات في الحي الشمالي لبلدة الخيام.
في المقابل، أعلن حزب الله استهداف آلية عسكرية إسرائيلية قرب مستشفى ميس الجبل، إضافة إلى تجمع لجنود في موقع الحمامص المستحدث، باستخدام مسيّرات انقضاضية.
من جهته، زعم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن إخلاء مدينة صور جاء نتيجة استخدام حزب الله مناطق سكنية لإطلاق الصواريخ، مشيرًا إلى إطلاق نحو 120 قذيفة من مناطق مأهولة.
كما نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة ليلًا استهدفت محطة محروقات عند مدخل بلدة الدوير، ما أدى إلى تدميرها جزئيًا واندلاع حريق كبير، عملت فرق الدفاع المدني والهيئات الصحية على إخماده حتى ساعات الفجر.
قرارات حادّة وانقسام داخلي متزايد
على المستوى السياسي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي المصادقة على أهداف عسكرية جديدة في لبنان وداخل إيران، فيما نقلت مصادر إسرائيلية أن تل أبيب ستواصل عملياتها ضد حزب الله بمعزل عن مسار إيران.
في المقابل، أفادت معلومات بأن الثنائي الشيعي طلب من القائم بالأعمال الإيراني عدم مغادرة بيروت، تزامنًا مع بيان صادر عن المجلس الشيعي الأعلى وحزب الله اعتبر قرار الحكومة اللبنانية “غير مدروس.
ويأتي ذلك بعد تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام حول وجود عناصر مرتبطة بـ”فيلق القدس” داخل لبنان بجوازات مزورة تنفّذ أنشطة أمنية لصالح حزب الله.
تشير هذه التطورات، في حال ثبوتها، إلى انتقال الدولة اللبنانية من مرحلة الاعتراض السياسي إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية مباشرة، خصوصًا في ظل قرار حكومي سابق يعتبر سلاح الحزب غير شرعي.
بين مواجهات عسكرية مفتوحة وتوتر سياسي داخلي متصاعد، يقف لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الرسائل الإقليمية مع الانقسامات الداخلية، ما يضع الاستقرار اللبناني أمام اختبار جدّي قد تتسع تداعياته في المرحلة المقبلة.

