صاروخ إيراني فوق كسروان بعد طرد السفير: لبنان يدخل عملياً في مرمى الحرب الأميركية–الإيرانية

في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، انتقل لبنان من خطوة ديبلوماسية غير مسبوقة إلى مشهد عسكري صادم في سمائه، في تطور يكاد يختصر مسار الانزلاق الخطير نحو قلب المواجهة الإقليمية. بين قرار رسمي بطرد السفير الإيراني، وظهور صواريخ في أجواء كسروان يُرجّح أنها استهدفت السفارة الأميركية، بدا البلد وكأنه دخل فجأة في “اللعبة الكبرى” من أوسع أبوابها.

صواريخ كسروان: رسالة بالنار؟

عصر أمس الثلاثاء، تحوّلت سماء كسروان إلى ساحة مواجهة صاروخية غير مسبوقة. انفجارات في الجو، وشظايا تتساقط على بلدات حارة صخر، غزير، شننعير، كفرذبيان وصولاً إلى اللقلوق، في مشهد أثار هلعاً واسعاً بين السكان.

المعطيات الأمنية الأولية رجّحت أن الصاروخ كان موجهاً نحو السفارة الأميركية في عوكر، قبل أن يتم اعتراضه من قبل الدفاعات الجوية انطلاقاً من قاعدة حامات. ورغم غموض التفاصيل التقنية، فإن دلالات الحدث بدت أوضح من أن تُخفى: لبنان لم يعد مجرد ساحة خلفية، بل صار منصة رسائل نارية مباشرة بين طهران وواشنطن.

من قرار ديبلوماسي إلى اشتباك إقليمي

لم يأتِ هذا التطور العسكري من فراغ. فقبل ساعات فقط، اتخذت الدولة اللبنانية خطوة وُصفت بـ”التاريخية”، عبر إعلان وزير الخارجية يوسف رجي سحب الاعتماد من السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني، واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، استناداً إلى اتفاقية فيينا.

القرار الذي حظي بموافقة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل رسم قواعد جديدة غير مكتوبة تحكم العلاقة اللبنانية–الإيرانية من اليوم وصاعدا وهي “عدم التساهل مع التدخلات السياسية والأمنية”.

وبينما شددت وزارة الخارجية على أن القرار لا يعني قطع العلاقات مع إيران، بل يأتي رداً على خروقات ديبلوماسية واضحة، بدا أن الرسالة السيادية لم تمر مرور الكرام في طهران.

الرد الإيراني: لبنان ساحة تصفية حسابات

في القراءة السياسية الأوسع، لا يمكن فصل حادثة الصاروخ عن القرار اللبناني. إذ تشير تحليلات متقاطعة إلى أن “الاستدارة” الإيرانية نحو أهداف أميركية محتملة داخل لبنان تحمل طابع الرد السريع، في محاولة لإعادة فرض قواعد الاشتباك: أي مساس بالنفوذ الإيراني سيُقابل بتصعيد مباشر.

هذا السلوك يعكس، وفق هذه القراءة، إصرار طهران على التعامل مع لبنان كجزء من جبهة إقليمية مفتوحة، لا كدولة ذات سيادة. فبدلاً من الاكتفاء بالاحتجاج الديبلوماسي، جرى نقل الرسالة إلى مستوى عسكري عالي الخطورة، ولو بشكل غير مباشر.

اختبار الدولة

التطور الأخطر لم يكن فقط في السماء، بل على الأرض السياسية اللبنانية. إذ سرعان ما برزت مؤشرات إلى رفض داخلي لقرار طرد السفير الإيراني، مع دعوات صريحة من “الثنائي الشيعي” إلى عدم الامتثال له.

هذا الموقف، الذي عبّر عنه “حزب الله” ببيان هجومي ضد وزير الخارجية، تجاوز حدود الاعتراض السياسي ليطرح سؤالاً وجودياً: هل قرار الدولة ملزم للجميع، أم أنه خاضع لميزان القوى الذي تفرضه طهران عبر حلفائها؟

وفي معلومات متقاطعة، طلب الثنائي الشيعي فعلياً من السفير الإيراني عدم مغادرة بيروت، في سابقة تضرب مفهوم السيادة في الصميم، وتحوّل القرار الرسمي إلى مادة نزاع داخلي.

لبنان في قلب الحرب الكبرى

ما جرى لا يمكن قراءته كحادث أمني معزول، بل كمؤشر على انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة من الاشتباك الإقليمي. صواريخ في سماء كسروان، شظايا تتساقط على القرى، والسفارة الاميركية محتملة كهدف… كلها عناصر تضع البلد على خط تماس مباشر بين إيران والولايات المتحدة.

الأخطر أن هذا التحول يأتي في لحظة داخلية هشّة، حيث الدولة تحاول للمرة الأولى منذ سنوات رسم حدود واضحة مع التدخل الإيراني، فيما يواجه هذا المسار برفض شيعي داخلي مدعوم بقوة السلاح.

بين السيادة والانفجار

لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما تثبيت قرار الدولة واستعادة الحد الأدنى من السيادة، أو الانزلاق أكثر إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

حادثة الصاروخ فوق كسروان لم تكن مجرد “رسالة” عابرة، بل إنذار واضح بأن كلفة المواجهة مع النفوذ الإيراني ستكون مرتفعة، وأن المعركة لم تعد سياسية فقط، بل باتت تُكتب أيضاً بالنار في سماء لبنان.

السابق
إيران لا ترغب في استئناف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر وتفضل نائب الرئيس «دي فانس»
التالي
أدرعي يحذّر اهالي مدينة صور ويدّعي ان حزب الله يطلق صواريخ من داخل المدينة