وعي الزمان والمكان(1):  فقه الواقع بين الحضور الإنساني والتوظيف السياسي لنبوءات آخر الزمان

السيد حسن الامين

يتناول هذا  المقال  إشكالية توظيف نبوءات آخر الزمان في الصراع السياسي المعاصر، ويقترح إطارا تفسيريا يقوم على فكرة “الإبهام الإلهي المتعمد” بوصفه آلية أخلاقية لحماية حرية الإنسان ومنع تحويل الغيب إلى برنامج حربي حيث أن النصوص الغيبية لم توضع لتأسيس خرائط جيوسياسية، بل لتثبيت البوصلة القيمية في الوعي الإنساني ومن ثم فإن جوهر التكليف الديني لا يتمثل في مطاردة توقيتات الظهور، بل في صناعة العدل داخل الواقع المعاش وينتهي البحث إلى أن “الانتظار الإيجابي” هو عمل أخلاقي يومي، وأن “الآن وهنا” هو المجال الوحيد الذي يملك فيه الإنسان مسؤولية الفعل  أخرويا ودنيويا والمحاسبة والتغيير.

بين الترقب  و مسؤولية الحضور

تعيش المجتمعات المعاصرة حالة مركبة من القلق الديني والاضطراب السياسي، حيث تتداخل المرويات الأخروية مع حسابات السلطة والحرب وفي هذا السياق، ظهر اتجاه عند كثير من أتباع الديانات والمذاهب، يجعل من نبوءات آخر الزمان أداة تعبوية لتبرير الصراع، عبر إسقاط رموز غيبية على أشخاص ووقائع معاصرة، ثم البناء على ذلك في تشكيل المواقف العامة ورسم السياسات الخاصة.

تكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه يبدل مركز التكليف: فبدلا من إصلاح الحاضر، ينشغل بتصميم المستقبل المظنون الذي لا سلطان حاضر له عليه مكانيا ولا زمانيا؛ ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الوعي على قاعدة “الآن وهنا”: أي أن الإنسان محاسب على ما يصنعه في زمنه ومكانه، لا على ما يتوهمه في خرائط الغيب.

الإبهام الإلهي المتعمد كاختبار أخلاقي وليس حتما مقدرا

تتسم روايات الملاحم والفتن في مختلف التراثات الدينية بدرجات من الغموض والرمزية واختلاف التفاصيل.  والقراءة المقترحة هنا ترى أن هذا الإبهام ليس بالضرورة نقصا معرفيا، بل وظيفة تربوية وأخلاقية. فلو  كانت التوقيتات قطعية والتفاصيل مكتملة، لتحول الإنسان إلى منفذ آلي لسيناريو جاهز وإن بقاء الغيب محجوبا يحفظ مساحة الإرادة الحرة، ويجعل معيار التفاضل هو الفعل الأخلاقي لا الحماس التوقيتي. إن الغموض يكشف النيات:  من يتخذ النبوءة ذريعة للعدل ينجح أخلاقيا، ومن يتخذها ذريعة للعنف يسقط في الفتنة.

بهذا المعنى، تتحول النبوءة من خريطة حرب إلى مرآة ضمير فهي لا تعطي إذنا بإشعال الفوضى، بل تمتحن  درجة  الوعي والمسؤولية  في ظروف الالتباس.

نقد التأسيس النقلي لسياسات آخر الزمان

كثير من الروايات التي جرى توظيفها سياسيا في موضوع علامات  آخر الزمان و المجيء و الظهور وما قبلها محل نقاش سندي ومتني  وقد نبه عددكبير من المحققين إلى ضعف طائفة واسعة منها وعدم صلاحيتها لبناء قرارات مصيرية أو بناء عقيدة أو سياسات ومخططات زمنية..وتتأكد هذه الملاحظة بمنهجية مركزية أن الأخبار الظنية لا يجوز اعتمادها لبناء السياسات الكلية والحروب وأن قاعدة  “كذب الوقّاتون”  تقطع الطريق على تحويل الغيب إلى روزنامة سياسية. فإسقاط  النصوص على الوقائع دون تحقيق علمي يفتح باب التلاعب بالعامة.

وعليه، فالمسلك  الواعي  ليس إنكار الغيب، بل ضبط التعامل معه: إيمان إجمالي بالوعد الإلهي، وامتناع عن ادعاء امتلاك تفاصيل التنفيذ الزماني والمكاني.

الجيوسياسة المقدسة وتسليع النبوءة وتصوير المسيح والمهدي كجنرلات حرب أو حاجتهم لجنرالات حرب ..

يبدو  أن ظاهرة توظيف النبوءات ليست مقصورة على سياق ديني واحد، بل تظهر في نماذج متعددة، خصوصا حين تتداخل العقيدة مع مشاريع الهيمنة وهنا يجري ما يمكن تسميته “تسليع المقدس”: أي تحويل الرمز الديني إلى أداة تعبئة في خدمة القوة والمشاريع السياسية. ومن أبرز ملامح هذه الظاهرة تقديس القرار السياسي عبر ربطه بقدر غيبي ونزع الإنسانية عن الخصوم بتصنيفهم ضمن رموز الشر النهائية وأيضا تعطيل النقد الداخلي لأن الاعتراض يصبح اعتراضا على “مسار مقدس”. وعندما يحدث ذلك، تتبدل وظيفة الدين من هداية الإنسان إلى إدارة الاستقطاب، ويغدو النزاع أقل قابلية للحل لأنه يقدم نفسه بوصفه معركة نهائية لا تقبل التسوية

فقه “الآن وهنا” بديلا عن الانتظار  و الفعل السلبي

يرتكز هذا الفقه على نقل مركز الثقل من سؤال “متى؟” إلى سؤال “ماذا نفعل الآن في المكان واللحظة؟” وهو انتقال من الترقب إلى التكليف، ومن الشعار إلى الممارسة  ويمكن تظهير ملامحه في أربعة مبادئ:

-الزمان الحاضر مجال المسؤولية والتكليف   الماضي للعبرة، والمستقبل للرجاء، والحاضر للفعل

-العدالة تصنع ولا تنتظر: لا يستقيم طلب العدل عبر نشر الظلم أو تغذية الفتن

– الانتظار الإيجابي عمل: إصلاح، وتربية، ودفع للفساد، وبناء للمجتمع

-المكان قيمة لا هوس جغرافي: معيار النجاة هو العدل حيث أنت، لا تتبع الخرائط المتخيلة

وبذلك يصبح الانتظار الحقيقي تهيئة أخلاقية مستمرة، لا تعليقا  للحياة على حدث مؤجل وأحداث مظنونة.

المآلات الخطيرة لعسكرة الغيب

إن  أخطر ما في التوظيف السياسي للنبوءات ليس خطأ التفسير فحسب، بل الكلفة الإنسانية الناتجة عنه فحين تتحول النبوءة إلى برنامج تعبئة، تظهر مآلات مدمرة على الوعي الديني وينقله  من الإيمان المتزن إلى التعصب التوقيتيوعلى المجتمع حيث يؤدي إلى تمزيق النسيج الداخلي وتغذية خطاب الفتنة وعلى السياسة جيث يتم تبرير المغامرة والحرب بوصفها استحقاقا غيبيا وأيضا على الفرد: حيث يؤدي إلى قلق مزمن أو انهيار إيماني عند فشل الإسقاطات الغيبية الضعيفة والمظنونة. ومن ثم فإن حماية الدين من التسييس الغيبي ليس ترفا فكريا، بل ضرورة أمنية وأخلاقية وحضارية.

إطار منهجي مقترح للتعامل مع نصوص الفتن

يقوم الإطار المقترح على جملة ضوابطمنها التفريق بين القطعي والظني فلا  يبنى المصير العام على نصوص محتملة وأيضا منع التوقيت الصريح والمقنّع برفض تحديد الأزمنة أو تسويق بدائل رمزية لها.

وأيضا تحقيق المناط بصرامة: من عدم تنزيل النصوص على الوقائع دون ضوابط علمية مركبة وأيضا تقديم المقاصد الكلية: حفظ النفس والكرامة والعدل والوحدة وغيرها  مقدم على السرديات الصراعية وأيضا ربط الإيمان بالأثر الأخلاقي فصدق  الانتظار يقاس بقدر ما ينتجه من رحمة وعدل.

ختاما إنّ “الآن وهنا” و”وعي الزمان والمكان” ليستا عبارتين إنشائيتين،  بل نظرية عمل عملية وأخلاقية  وسياسية  فالغيب في الرؤية الإيمانية مجال للتسليم لا للمغامرة، ومجال للرجاء لا للتجييش وكل محاولة لاختطاف النبوءة وتحويلها إلى خطاب حرب تؤدي إلى نتيجة عكسية: إفساد الحاضر باسم إنقاذ المستقبل.

المطلوب إذن ليس إلغاء الإيمان بالوعد الإلهي، بل تحريره من الاستعمال الأدواتي والتجييشي ، ورده إلى وظيفته الأصلية: بناء الإنسان العادل فالعدالة التي ينتظرها الناس غدا تبدأ بصناعة شروطها اليوم، والرحمة التي ينشدها المؤمنون لا تولد من فوهة صراع دائم مؤجل لا تعرف صورته  بل من مسؤولية واعية تمارس الحق في  حدود الزمان والمكان المتاحين تحت يد تصرف الإنسان.

إن المطلوب إدراج “فقه الآن وهنا” في برامج التعليم الديني والفكري بوصفه فقه مسؤولية ودعم التحقيق العلمي الرصين في روايات الفتن، ومنع توظيف الضعيف منها في التعبئة ورسم السياسات وتوسيع الحوار العابر للأديان حول “العدالة الحاضرة” بدلا من “صراع الخلاص المؤجل” والطلوب تفكيك الخطاب الذي يضفي قداسة على الصراعات الجيوسياسية المعاصرة وربط أي خطاب غيبي بمعيار واحد: هل يزيد عدلا ورحمة في الواقع أم يزيده  دما وخرابا.

—————————————–

مراجع إرشادية

القرآن الكريم

نصوص إنجيلية في حجب علم “اليوم والساعة”

نهج البلاغة

السيد علي الأمين، *زبدة التفكير في رفض السب والتكفير*

دراسات في قواعد التعامل مع أحاديث الفتن والملاحم

السابق
استشهاد عائلة كاملة في القنطرة… والحزب يستهدف جنودًا إسرائيليين عند بوابة فاطمة
التالي
اليوم التالي.. هو القضية