لبنان أمام السؤال الأصعب: أي كلفة أكبر… مواجهة السلاح أم احتواؤه؟

منى فياض

الأسئلة: هل ما يقوم به حزب الله يساعد المهجرين الى بيوتهم؟ هل كانوا سيتهجرون لو لم يقم حزب الله بما قامه؟

يقف لبنان اليوم أمام سؤال كان يجب أن يُطرح منذ سنوات، لكنه أُجِّل مراراً تحت عناوين “التوافق” و”الأمن بالتراضي”: أي كلفة كانت أكبر على لبنان: مواجهة حزب الله وسلاحه أم الاستمرار في احتوائه؟

ما جرى في السنوات الأخيرة، وما يدفع اللبنانيون ثمنه اليوم من تهميم الدمار والتهجير والانهيار، يفرض إعادة طرح هذا السؤال بجدية. لأن الوقائع تشير إلى أن سياسة التوافقية والاحتواء لم تمنع الكارثة، بل ربما مهّدت لها.

أيضاً هل الجناح العسكري للحزب ميليشيا أم لا؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً. في أي دولة في العالم، يعتبر وجود قوة عسكرية خارج الجيش تتخذ قرار الحرب والسلم بنفسها هو تعريف واضح للميليشيا.

وعندما تقف هذه القوة فوق سلطة الدولة، يصبح السؤال الحقيقي: من يحكم فعلياً”؟ الدولة أم السلاح؟

لقد سمع اللبنانيون مراراً أن جنوب نهر الليطاني خالٍ من السلاح غير الشرعي، وأن الجيش يفرض سلطته هناك. لكن الوقائع على الأرض أظهرت عكس ذلك، إذ استمر إطلاق الصواريخ من تلك المنطقة، ما يطرح سؤالاً صريحاً حول هيبة الدولة وقدرتها على فرض قراراتها.

الافتراضات الخاطئة

يبدو أن قيادة الحزب، المتشاركة مع الحرس الثوري، بنت استراتيجيتها على مجموعة من الافتراضات التي تبيّن لاحقاً أنها خاطئة:

أن إسرائيل لا تستطيع القتال على أكثر من جبهة.

وأنها غير قادرة على خوض حرب طويلة.

وأنها لن تتحمل خسائر بشرية كبيرة.

لكن ما حدث على الأرض أثبت أن هذه الحسابات لم تكن دقيقة، وأن عقيدة إسرائيل القتالية انقلبت رأساً على عقب بعد حرب 7 أكتوبر. والنتيجة أن لبنان وجد نفسه مرة أخرى ساحة حرب شرسة يدفع سكانه أثمانها المفتوحة على المجهول.

لقد سمع اللبنانيون مراراً أن جنوب نهر الليطاني خالٍ من السلاح غير الشرعي، وأن الجيش يفرض سلطته هناك. لكن الوقائع على الأرض أظهرت عكس ذلك.

آلاف العائلات التي غادرت قراها اليوم لا تحتاج إلى خطابات، بل إلى إجابة واضحة: من يتحمل مسؤولية ما حدث؟

هل المسؤولية تقع على الدولة التي لم تتخذ قراراً حاسما منذ سنوات؟ أم على الحزب الذي اتخذ قرار فتح الجبهة دون أن يسأل اللبنانيين؟ إن فتح المدارس لإيواء النازحين خطوة إنسانية ضرورية، لكنها ليست الحل السياسي. الحل يبدأ من معالجة السبب الذي جعل الناس يتركون بيوتهم.

طوال سنوات، قيل للبنانيين إن الاستقرار يتطلب التعايش مع السلاح غير الشرعي وتجنب مواجهته. لكن التجربة أثبتت أن هذا النهج لم يمنع لا الحرب ولا الدمار، ولم يجلب الاستقرار، بل جعل الدولة تبدو أضعف، فيما بقي الحزب يتصرف كـ سلطة فوق السلطة.

الاستقرار الحقيقي لا يقوم على التسويات المؤقتة، بل على مبدأ بسيط: احتكار الدولة وحدها لقرار الحرب والسلم.

ما يثير القلق أن الدولة غالباً ما بدت وكأنها تنتظر الحدث بدل أن تصنع القرار.

وكأن المعادلة: ننتظر أن يفتح الحزب الجبهة، ثم نرى ماذا نفعل. لا يمكن أن تُدار الدولة بهذه الطريقة. لبنان يحتاج اليوم إلى حكومة تقرر وتنفّذ، وتخرج من دائرة ردّ فعل نهائياً.

أين المسؤولية السياسية؟

في هذا السياق، يبرز سؤال أيضاً حول دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعترف سابقاً أن الحزب قتل من عناصر حركة أمل أكثر مما قتلت إسرائيل، انه اليوم في موقع قادر على لعب دور سياسي حاسم. ومع ذلك يبدو كأن النقاش السياسي يهتم أكثر بالانتخابات والتمديد للبرلمانيين، أكثر مما يدور حول الخطر الوجودي الذي يواجه الدولة اللبنانية.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المناورات السياسية، بل إلى موقف واضح ومسؤولية علنية.

هناك أيضاً حقيقة غالباً ما تُهمَل في هذا النقاش: المقاومة ليست شعاراً او معارك عسكرية فقط. المقاومة الحقيقية هي بقاء الناس في أرضهم، حماية بيوتهم وقراهم، وبناء دولة قادرة على حمايتهم.

المشكلة الأكبر في التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية كانت النظر إلى العالم من ثقب إبرة:

قراءة الصراع من زاوية ضيقة، دون رؤية الصورة الإقليمية والدولية الكاملة. لبنان لا يستطيع أن يعيش بسياسة المغامرات، ولا أن يبقى رهينة صراعات أكبر منه.

المقاومة ليست شعاراً او معارك عسكرية فقط. المقاومة الحقيقية هي بقاء الناس في أرضهم، حماية بيوتهم وقراهم، وبناء دولة قادرة على حمايتهم.

لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية:

إما أن تستعيد الدولة دورها الكامل في احتكار السلاح وقرار الحرب، أو يبقى البلد أسير معادلة أثبتت التجربة أنها تقوده من أزمة إلى أخرى.

ليس المطلوب خطاباً تصعيدياً، بل إرادة سياسية واضحة: تنسيق وحزم كاملين بين الجيش والأجهزة الأمنية، دعم داخلي وخارجي للقوى السيادية، وقرار وسلوك لا لبس فيهما بأن الدولة وحدها هي صاحبة السلطة.

فلبنان لا يمكن أن يُبنى على سلاح خارج الدولة، ولا يمكن أن يستمر شعبه بدفع ثمن قرارات لم يشارك في اتخاذها.

السابق
بالفيديو والصورة: غارة عنيفة على «قرض الحسن» (الصفير – سان تيريز) في الضاحية الجنوبية
التالي
الإفراج عن عناصر من حزب الله بعد توقيفهم مقابل 10 دولارات.. ووزير العدل يتحرك