ليس ما يجري في الجنوب تفصيلاً عسكريًا عابرًا، ولا يمكن قراءته كجولة ضغط محدودة أو رسالة نارية محسوبة. التصعيد الإسرائيلي اليومي، المتدرّج، والمتعمّد، يوحي بأننا أمام مرحلة مختلفة: مرحلة اختبار السقف، وقياس ردود الفعل، وربما التمهيد لانقضاض أوسع تُرفع فيه المحظورات واحدة تلو الأخرى.
الخطير في المشهد ليس فقط كثافة الاعتداءات، بل صمت الرعاة الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. صمت لا يشبه الحياد، بل أقرب إلى تفويض غير معلن. كأن واشنطن قررت أن تترك لنتنياهو هامش الحركة كاملًا، لعلّ النار التي يشعلها في الجنوب تعيد ترتيب أوراقه الداخلية، أو تؤجل أزماته السياسية، أو تصنع له نصرًا وهميًا فوق ركام القرى.
إسرائيل، في لحظات كهذه، لا تبحث عن أمن بقدر ما تبحث عن مشهد: مشهد قوة، مشهد ردع، مشهد استباحة بلا كلفة. والجنوب، للأسف، يبقى الساحة الأكثر عرضة لهذا النوع من العروض الدموية، حيث تختلط الجغرافيا بالرمز، والناس بالتقارير العسكرية الباردة.
إقرأ أيضا: «حزب الله» بين معركة المرشد وسقوط الأذرع: لبنان على حافة حرب تُقرَّر في طهران
ما يدعو للقلق أن العدوان لم يعد يُقدَّم كاستثناء، بل كروتين يومي. ضربة هنا، اغتيال هناك، تهديدات مضمرة، ورسائل بالنار تقول إن القواعد القديمة لم تعد سارية. وحين تتحول الجريمة إلى عادة، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تمهيد لانقضاض أكبر؟ أم أمام سياسة إنهاك طويلة تُراكم الخسائر ببطء؟
في المقابل، يبدو الداخل اللبناني مُثقلاً بالعجز والانقسام. دولة مشلولة، خطاب سياسي مكرور، وناس تُترك لمصيرها بين القلق والتكيّف القسري. الجنوب لا يُقصف فقط بالصواريخ، بل بالإهمال، وبالاعتياد على الخطر، وكأن الألم صار جزءًا من المشهد الطبيعي.
السؤال الحقيقي ليس: هل ستنقضّ إسرائيل على الجنوب؟ بل: من سيمنعها إن قررت ذلك؟ وهل ما زال في هذا العالم من يرى في حياة الجنوبيين أكثر من أرقام في تقارير أمنية؟
الجنوب ليس ساحةً فارغة، ولا هامشًا يمكن شطبه بسهولة. هو ذاكرة مقاومة، وكرامة ناس، وامتحان أخلاقي مفتوح أمام العالم. وكل صمتٍ إضافي، وكل تواطؤ مقنّع، ليس إلا مشاركة مؤجلة في الجريمة….
دولة الرئيس نبيه بري… انقذوا الجنوب.
قد يكون الطلب بديهيا، لكنه في هذه الظروف يصبح قاسيًا، لكنه أقل قسوة من جواب يعرفه كثيرون، ويخشون الاعتراف به.

