تستعد مدينة الشمس، بعلبك، لاستعادة وهجها التاريخي الصيف المقبل، حيث تحتفي «مهرجانات بعلبك الدولية» بمرور سبعة عقود على انطلاقتها.
وفي خطوة استباقية تعكس إصراراً على البقاء، أُعلن بجرأة فنية عن حفل الافتتاح الذي سيشهده يوم 24 يوليو (تموز) المقبل، في تظاهرة سينمائية-موسيقية ضخمة تجمع بين عراقة الحجارة الرومانية وأحاسيس الموسيقى المعاصرة.
تعاون عربي-دولي وتكريم للمبدع غابرييل يارد
في مؤتمر صحافي شارك فيه وزير الثقافة غسان سلامة، ورئيسة المهرجان نايلة دي فريج، ومؤسسة «مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون» هدى الخميس كانو، كُشف الستار عن إنتاج ضخم ومشترك بين مهرجاني بعلبك وأبو ظبي.
سيجمع الحفل الأوركسترا الكبيرة لبودابست مع عازفين منفردين أوروبيين وجوقة الجامعة الأنطونية، ليقودهم عزفاً على البيانو المؤلف الموسيقي اللبناني-الفرنسي العالمي غابرييل يارد.

يارد، الفنان اللبناني الوحيد الحائز على جائزتي “الأوسكار” و”السيزار”، وصاحب الموسيقى التصويرية لأكثر من 70 فيلماً عالمياً، وصف وقوفه في قلب المعابد العريقة بأنه “حلم وشرف كبير”، معتبراً أن إقامة المهرجان في ظل الظروف الراهنة يمثل ذروة “المقاومة الثقافية”.
تفاعل الصورة والنغم: سحر معبد باخوس
لن يكون الحفل مجرد أداء موسيقي تقليدي، بل تجربة بصرية فريدة؛ إذ سيتم عرض مقتطفات من أشهر أفلام يارد العالمية على جدران معبد باخوس المعمرة تزامناً مع العزف الحي. وبحسب نايلة دي فريج، فإن هبة القلعة وعظمتها تفرضان عروضاً استثنائية قادرة على مجاراة هذا السحر، وهو ما تراه هدى الخميس كانو متمثلاً في موسيقى يارد التي “تسمو بالأرواح وتحلق في فضاءات الإبداع المتجذر في روح لبنان وقيم المشرق”.
تاريخ من الصمود: من عهد شمعون إلى اليوم
تعيدنا هذه الذكرى السبعينية إلى العام 1956، حين انطلقت “أم المهرجانات العربية” برؤية من الرئيس الراحل كميل شمعون وزوجته زلفا، لتكون رائدة العروض الكلاسيكية والمسرحية في المنطقة. ومنذ ولادة “الليالي اللبنانية” عام 1957 مع السيدة فيروز والأخوين رحباني، تحولت بعلبك إلى جسر يربط بين الفن المحلي والعالمي، محتضنةً الجاز والأوبرا والرقص والمسرح.
ورغم سنوات الحرب الأهلية الطويلة التي فرضت الصمت على القلعة، عادت المهرجانات لتنبعث من جديد عام 1997، مؤكدةً على رسالة “التميز والمثابرة”. وفي هذا السياق، أكد وزير الثقافة غسان سلامة دعمه المطلق للمهرجان، واصفاً إياه بأنه رمز للفخر الوطني والصمود في وجه المحن.
بينما يترقب الجمهور اللبناني والعربي ليلة 24 يوليو، تظل بعلبك تؤكد أنها ليست مجرد آثار صماء، بل هي منصة حية للجمال، تجمع اليوم بين عبقرية يارد الموسيقية وعراقة التاريخ الروماني، لتثبت أن “المقاومة الثقافية” هي السلاح الأنبل في وجه كل الصعاب.

