أعاد إقرار مشروع قانون الانتظام المالي (الفجوة المالية) فتح باب الالتباس السياسي، ولا سيّما داخل حركة «أمل». فبينما تصدّر وزير المال ياسين جابر صفوف الداعمين للمشروع، إلى حدّ اعتباره أحد عرّابيه داخل مجلس الوزراء، اختارت وزيرة البيئة تمارا الزين التصويت ضدّه. هذا التباين غذّى فرضيات عن «توزيع أدوار» مقصود، يُمرَّر بموجبه القانون حكوميًا مع تسجيل اعتراض سياسي يراعي المزاج الشعبي الرافض لأي مسّ بالودائع.
غير أنّ هذه القراءة لم تعمّر طويلًا. فقد حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري الجدل، واضعًا حدًا لما سُمّي «حزورة» الموقف، حين أعلن رفضه القاطع للمشروع، واصفًا إيّاه بأنه «مشروع إعدام للودائع لا استعادتها».
بري: الودائع مقدّسة والبرلمان هو الحكم
بحسب ما نقلته «الجمهورية»، شدّد بري على أنّ الصيغة الحكومية لا تحمل حلولًا حقيقية للانهيار المالي، ولا تضمن استعادة حقوق المودعين، مؤكدًا موقفه الثابت بأن «الودائع مقدّسة» ولا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة. وإذ ذكّر بأن مجلس النواب هو صاحب الكلمة الفصل، عبّر عن قناعته بأن غالبية النواب تدرك هشاشة المشروع وعدم منطقيته.
وكشفت أوساط مطّلعة أنّ قرار الاعتراض داخل الحكومة كان منسّقًا بين بري وحزب الله، في إطار توحيد الموقف السياسي من القانون. كما أُشير إلى أنّ المشروع شقّ طريقه بصعوبة «من خرم إبرة»، إذ أُقرّ بأكثرية ضئيلة (13 مقابل 9)، في مشهد عكس ولادة قيصرية لمسار إصلاحي شديد الحساسية.
على الرغم من الاعتراضات، وقّع رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون مشروع القانون وأحاله إلى المجلس النيابي، فاتحًا مرحلة اختبار برلماني ستكون حاسمة. تزامن ذلك مع متابعة عون لتحضيرات اجتماع لجنة «الميكانيزم» المقرّر في 7 كانون الثاني، وسط إشادة واضحة بدور الجيش والقوى الأمنية في تثبيت الاستقرار وحصر السلاح جنوب الليطاني.
مصر: دعم إصلاحي ومذكرة غاز
في موازاة السجال الداخلي، دخل العامل الإقليمي الداعم على الخط. فقد هنّأ السفير المصري في لبنان علاء موسى الحكومة على إقرار القانون، معتبرًا الخطوة محطة أساسية طال انتظارها، تمهّد لمسار إصلاحي يتطلّب استكمالًا بإجراءات إضافية. وأعلن توقيع مذكرة تفاهم لبنانية–مصرية في مجال الطاقة، لتأمين الغاز الطبيعي وتخفيف التقنين، في ترجمة عملية لزيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ودعم القاهرة للعهد والحكومة.
أمنيًا، شدّد السفير المصري على أولوية خفض التوتر جنوبًا عبر تطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 والقرار 1701، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين وعلى رأسهم الولايات المتحدة، مؤكدًا تحرّكات دبلوماسية مصرية مكثّفة لاحتواء التصعيد.
إقليم مشتعل ورسائل قاسية
يأتي ذلك فيما تترقّب بيروت مفاعيل لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في ظل إصرار إسرائيلي على توسيع بنك الأهداف إقليميًا، وربط المسارات من غزة إلى إيران وسوريا ولبنان. داخليًا، تتقاطع هذه الضغوط مع سجال حاد حول سلاح «حزب الله»، حيث جدّد سمير جعجع اعتباره السلاح خارج الدولة «أكبر مصيبة» عطّلت قيامها، داعيًا إلى حسم المواجهة ديموقراطيًا عبر الانتخابات.
بين الإصلاح والسيادة
هكذا، يقف قانون الفجوة المالية عند تقاطع الإصلاح المالي والسيادة السياسية: دعم دولي مشروط، اعتراض داخلي صلب، وبرلمان مقبل على اختبار الثقة. أما السؤال المفتوح، فليس فقط كيف يُعدّل القانون، بل هل تُستعاد الودائع من دون أن تُستنزف الدولة… أم يتكرّس الانقسام عنوانًا لمرحلة أشدّ تعقيدًا؟

