من معاداة الوهابية إلى التقرب للرياض: كيف حوّل الأحباش خطابهم إلى حملة انتخابية مقنعة؟

الاحباش جمعية المشاريع

لم يكن خطاب جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) يوما غامضا في عدائه للوهابية والسعودية. على مدى عقود، بنيت شرعية الجمعية الدينية والإعلامية على شيطنة الوهابية واعتبارها “بدعة العصر”، وتحميل الرياض مسؤولية رعايتها ونشرها. لم يكن ذلك مجرد اجتهاد فقهي، بل خيارا سياسيا استخدم لتكريس هوية وبناء تحالفات وضمان موقع داخل الساحة السنية.

لكن هذا الخطاب، الذي قدم طويلا على أنه ثابت ومبدئي، تراجع فجأة وبلا أي إعلان رسمي، كاشفا أن العقيدة لم تكن يوما خطا أحمر، بل أداة يمكن تعديلها حين تفرض صناديق الاقتراع حساباتها.

خصومة صنعت للوظيفة لا للفكرة

منذ الثمانينيات والتسعينيات، قدم الأحباش أنفسهم كتيار “سني أشعري صوفي” في مواجهة الوهابية. في الخطب والمنشورات، كانت السعودية تختزل بالوهابية، والوهابية تقدم كجذر لكل تكفير وعنف. هذا الخطاب وفر لهم، هوية صدامية واضحة داخل الساحة السنية.

وحماية سياسية من قوى مناهضة للسعودية، وشرعية إعلامية مبنية على تخويف الجمهور من “الخطر الوهابي”.

بمعنى آخر، العداء للوهابية كان رأس مال سياسي، لا نتيجة نقاش عقائدي حر.

حين تغير ميزان القوة… سقط الخطاب

بعد 2015، ومع صعود محمد بن سلمان، بدأت السعودية بإعادة تسويق نفسها كدولة “تحارب التطرف” بدل أن تتهم بتصديره. انعكس ذلك على مؤسسات الوهابية وخطابها الرسمي، مع انفتاح محسوب على الغرب.

أمام هذا التحول، وجد الأحباش أنفسهم في مأزق: كيف يستمرون في مهاجمة دولة باتت أقوى سياسيا وإعلاميا وأقل كلفة في الدفاع عن نفسها؟

النتيجة كانت انسحابا صامتا، فاختفى مصطلح “الوهابية” من الخطاب العلني، واستبدلت الاتهامات المباشرة بكلام عام عن “التطرف”، تحولت سهام الهجوم إلى أهداف أضعف وأقل كلفة.

 من العقيدة إلى الصندوق: الانتخابات تفرض لغتها

هنا يأتي العامل الاهم: الانتخابات المقبلة. الأحباش، الذين يدركون محدودية حضورهم النيابي، يعلمون أن أي محاولة لحجز مقاعد إضافية تتطلب تخفيف العداء، خصوصا تجاه السعودية، التي تمثل مرجعية سياسية ورمزية لجزء كبير من الشارع السني.

بالتالي، تليين الخطاب لم يكن خيارا فكريا، بل ضرورة انتخابيةلتفادي عزلة داخل البيئة السنية،ولرفع الحظر السياسي عن أي تحالف محتمل،ولتقديم صورة “معتدلة” قابلة للتسويق انتخابيا.

هكذا أصبح الخطاب الديني مادة دعائية، لا تختلف في وظيفتها عن أي شعار انتخابي مدروس.

حملة انتخابية بلباس ديني

ما يجري اليوم ليس تطورا طبيعيا في الفكر، بل حملة انتخابية مبكرة متنكرة في لباس ديني مخفف.

 الرسالة واضحة: نحن تغيرنا، لم نعد صداميين، ولسنا في موقع العداء مع أحد.

لكن هذا “التغيير” لم يدعم بأي مراجعة علنية للماضي، ولا بأي اعتذار عن خطاب شيطن دولا وتيارات لعقود.

الأخطر أن الخطاب الداخلي لا يزال يحتفظ بمفردات الإدانة القديمة، بينما الخطاب العلني يلتزم الصمت أو المجاملة.

إنها ازدواجية تعكس نفاقا سياسيا محسوبا: خطاب للقاعدة كي لا تتمرد، وخطاب للخارج كي لا تغلق الأبواب.

حين تعلق العقيدة بانتظار النتائج

العداء للوهابية كان مفيدا حين كان مربحا، والصمت عنها بات ضرورة حين أصبحت الكلفة الانتخابية أعلى من الفائدة.

هنا يكمن جوهر القضية: العقيدة لم تتغير، بل علقت مؤقتا بانتظار انتهاء الانتخابات، وبعد الصندوق، لكل حادث حديث.

الخلاصة، ان ما نشهده ليس انتقالا من التشدد إلى الاعتدال، بل من خطاب صدامي إلى خطاب انتخابي. من معاداة الوهابية إلى تبييض العلاقات مع الخلج، لم تتبدل القناعات بقدر ما تبدلت الحسابات.

وحين تتحول المواقف الدينية إلى أدوات تسويق، يبقى السؤال: هل هذه مراجعة فكرية حقيقية، أم حملة انتخابية مقنعة؟

في السياسة قد يغفر تبديل الخطاب، أما في الدين، فالتلاعب بالعقيدة من أجل مقعد نيابي، فهو سقوط بلا تجميل.

السابق
جعجع يشيد بمواقف عون ويدعوه إلى رسالة خطية لبري!
التالي
أمطار غزيرة وعواصف رعدية تشتد في لبنان.. وثلوج ابتداءً من 1200 متر!