في لبنان، لم تعد الطرقات مجرد مسالك للتنقّل اليومي، بل تحوّلت إلى ساحات مفتوحة للجريمة. كل يوم يحمل قصة جديدة لسائق أو راكب أو حتى راجل يجد نفسه فجأة أمام محاولة سلب أو تشليح أو اعتداء، قد تنتهي بإصابة أو فقدان الحياة. ما كان في الماضي يُعدّ حادثًا استثنائيًا، أصبح اليوم ظاهرة متكررة تهزّ شعور المواطنين بالأمان، وتؤكّد هشاشة النظام الأمني في حماية المدنيين.
الخوف اليومي في ظلّ الانهيار
في ظلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، يزداد خطر التشليح على المواطنين الأبرياء الذين يسعون لتأمين لقمة عيشهم أو يضطرون للتنقّل بسياراتهم خلال النهار. لم تعد هذه الجرائم مقتصرة على حالات فردية، بل تحوّلت إلى ظاهرة تؤثّر على الحياة اليوميّة، حيث بات المواطن يفكّر مرّتين قبل أن يترك سيارته أو أغراضه دون مراقبة، خوفًا من أن تتحوّل أي لحظة عابرة إلى مواجهة عنيفة.
ضحايا بلا ذنب… الدم على الطريق
الأمثلة الواقعية مأساوية، ففي مشهد يُفجع القلوب، رحل أمس الجمعة 27 كانون الأول 2025 الشاب محمّد عاصي من بلدة أرزون الجنوبيّة بعدما رفض تسليم دراجته الناريّة لأحد اللصوص “المشلحين”، الذي أطلق عليه النار بدم بارد قبل أن يفرّ إلى جهة مجهولة، تاركًا وراءه أمًّا مكلومة وعائلة غارقة في الصدمة. ضحايا عديدة مثل محمّد، في مقتبل العمر، لا يحملون سوى كرامتهم وسعيهم للعيش، يصبحون فريسة للفوضى وجرائم التشليح التي باتت تهدّد حياة الأبرياء في وضح النهار.

حتى الطرقات الرئيسيّة لم تسلم من هذا الخطر، ففي 24 تشرين الثاني 2025 على طريق المطار، نفّذ شخصان مسلّحان على دراجة ناريّة عمليّة سرقة أمام المارّة في وضح النهار، قبل أن يلوذا بالفرار، ما يبرز انتشار الجرائم بشكل صارخ في قلب المدن والأحياء، ويؤكّد أنّ أي مواطن يمكن أن يصبح هدفًا في أي وقت.
أسباب الظاهرة… سلاح وفقر وغياب ردع
تتعدّد أسباب تفاقم هذه الظاهرة، بدءًا من انتشار السلاح غير المرخّص، مرورًا بالضعف الأمني في مراقبة الطرقات والأحياء، وانتهاءً بالتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع البعض إلى ارتكاب الجريمة. كما يساهم الانحدار الأخلاقي وغياب الرادع الاجتماعي في شعور المواطن بالعجز أمام موجة العنف اليومية، ويجعل الطرقات مسرحًا للتهديد المستمر للأبرياء.
وقد أظهرت بيانات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي ارتفاعًا بنسبة 30% في جرائم السرقة والتشليح على الطرقات خلال النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. ورغم جهود الأجهزة الأمنية في توقيف عدد كبير من المشتبه بهم واسترداد المركبات والممتلكات، وتكثيف المراقبة الليلية ونقاط التفتيش، وتفعيل كاميرات المراقبة على المحاور الرئيسية، إلا أنّ الظاهرة ما زالت تتوسّع، ما يفرض إعادة تقييم للسياسات الأمنية المعتمدة.
يتجاوز تأثير هذه الجرائم الخسائر المادية، إذ يمتدّ إلى الصحّة النفسية للمواطنين ويزرع شعورًا دائمًا بالخوف والقلق، ويحدّ من حرية التنقّل والتنفس في حياتهم اليومية. فالأطفال والشباب باتوا يعيشون في بيئة يسودها التوتر والخوف من أي خطوة خارج المنزل، والأسر تضطرّ إلى تغيير نمط حياتها لتجنّب المخاطر المحتملة، ما يؤثّر على النسيج الاجتماعي بأسره.
سؤال الدولة… وخيار المواجهة
يبقى السؤال الأساسي: هل تكفي الإجراءات الأمنية الظرفية لطمأنة المواطنين، أم أنّ لبنان بحاجة إلى خطة شاملة تعيد للأمن مكانه وتعيد ثقة الناس بالدولة؟ فالأمن والاستقرار يجب أن يكونا خطًا أحمر لا يُختبر، وإلا ستستمر فوضى التشليح في تهديد حياة الأبرياء، وتصبح الطرقات مسرحًا دائمًا للخوف والقلق، بدلًا من أن تكون مسالك آمنة للتنقّل والعمل والحياة اليومية.
ومن هذا المنطلق، يتّضح أنّ المسؤولية ليست فقط على عاتق الأجهزة الأمنية، بل على المجتمع ككل، من خلال نشر الوعي حول سبل الوقاية، وتعزيز التعاون مع السلطات، وبناء شبكة حماية مجتمعية. عندها فقط يمكن الحدّ من آثار هذه الظاهرة وتأمين بيئة أكثر أمانًا للجميع. فالأمان اليومي والطمأنينة في التحرّك مسؤولية مشتركة، ومن دون تحرّك حقيقي وفاعل، ستبقى الطرقات اللبنانية مسرحًا للجريمة والفوضى، ويستمر المواطنون في العيش تحت وطأة الخوف والقلق.

