في المدن التي تحترم نفسها، لا يُترك الفرح يتيمًا،ولا يُعامَل التراث كترفٍ زائد عن الحاجة ولا يُقاس الانتماء بكمّ الشعارات، بل بقدرة المدينة على الاحتفاء بأبنائها حين يرفعون اسمها عاليًا.
لكن في بعلبك، يبدو أنّ المعادلة مقلوبة عمدًا.
في برنامج (يلا ندبك دبكة) على شاشة MTV، لم تكن المشاركة مجرّد منافسة فنية، بل مناسبة وطنية جامعة، أظهرت كم لا يزال في هذا البلد مساحات للحياة، رغم كل ما يحيط به من خراب.
فرق من مختلف المناطق، بلديات تتحرّك، ساحات تُفتح، مواكب فرح تُنظَّم، دعم لوجستي ومعنوي وإعلامي، لأنّ المشاركين يُنظر إليهم كمرآة للمدينة وصوتها الثقافي.
في كل لبنان تقريبًا…
إلّا في بعلبك.
بعلبك التي شاركت بفرقتين من أنقى وأصدق ما قدّم التراث الشعبي:
فرقة شمس بعلبك – آل صلح،
وفرقة شيوخ الدبكة – آل الشمالي.
فرقتان لا تمثلان عرضًا عابرًا، بل تختصران تاريخًا اجتماعيًا وثقافيًا عميقًا،وترفعان صورة بعلبك الحضارية، المتجذّرة، المتنوّعة،
بعلبك التي ترقص للحياة بدل أن تُستَعمل وقودًا للموت.
ومع ذلك، كان التجاهل مطبقًا، وصارخًا، ومهينًا.
لا بلدية بادرت إلى استقبال أو تكريم،لا دعم لوجستي، ولا نقل، ولا تنظيم مسيرة فرح رمزية.
لا حضور رسمي، ولا بيان، ولا حتى اعتراف علني بالمشاركة.
كأنّ هاتين الفرقتين خرجتا من مدينة أخرى،
أو كأنّ بعلبك الرسمية لا ترى من أبنائها إلّا من ينسجم مع خطابها الأحادي.
وهنا تكمن الفضيحة.
فالدعم لم يكن يومًا مستحيلًا، ولا مكلفًا، ولا معقّدًا،كان يمكن وببساطة أن تُمارَس أبسط أشكال المسؤولية العامة،استقبال رمزي في ساحة المدينة،تأمين مواكبة إعلامية محلية،
تنظيم مسيرة فرح شعبية،تأمين وسائل نقل وتشجيع،رفع لافتة واحدة تقول هذه فرق بعلبك.
لكن شيئًا من ذلك لم يحصل.
في المقابل، تعرف بعلبك الرسمية كيف تستنفر بسرعة لافتة عندما يُطلب منها رفع شعارات الموت،أو عندما تُستدعى لتأدية دور محفوظ في مشهد سياسي أو أيديولوجي مغلق.
هناك، لا نقص في التنظيم ولا غياب في الحضور،ولا تردّد في الدعم.
أما عندما يكون العنوان تراثًا،ودبكة،وفرحًا،
وصورة وطنية مشرّفة على شاشة جامعة،
فإنّ الصمت يصبح سياسة.
السؤال هنا لم يعد ثقافيًا فقط، بل أخلاقي وسياسي، أيّ بعلبك يُراد لها أن تُرى؟
ولماذا يُحاصَر الوجه الذي لا يشبه الصورة المفروضة؟
إنّ تجاهل فرقتيّ شمس بعلبك وشيوخ الدبكة ليس خطأ إداريًا،ولا تفصيلًا عابرًا،
بل خيار واضح بإقصاء بعلبك المتنوّعة،
وتغييب العائلات العريقة، ومنع أي تعبير عن حياة لا تخضع للخطاب الواحد.
بعلبك ليست ملكًا لبلدية، ولا حكرًا على نوّاب،ولا صورة جامدة تُستعمل عند الحاجة وتُطمَس عند الخوف.
هي مدينة كاملة، وفيها مكان للفرح كما للموقف،وللتراث كما للتاريخ،ولشمسها كما لدبكتها.
أما الفرق التي صعدت إلى المسرح،
فقد قدّمت ما عجزت عنه السلطة المحلية،قدّمت بعلبك كما هي، لا كما يُراد لها أن تُختصر.
وإن كان الدعم الرسمي قد غاب،فإنّ الفضيحة كُتبت،والصورة وصلت،
والسؤال بات مطروحًا أمام الرأي العام، من يدعم الحياة في بعلبك…ومن يفضّل أن تبقى المدينة أسيرة الحزن؟…..


