بالقانون نطردك وبالجوع نحكم عليكم: مصانع لبنان تلفظ عمّالها بصمتٍ قاتل

مؤتمر الاتحاد العمالي

في بلدٍ يتهاوى فيه كل شيء إلا الظلم، لم يعد العامل اللبناني ضحية أزمة اقتصادية فحسب، بل رهينة نظام قرّر بوضوح أن يحمي الأقوياء ويترك الضعفاء لمصيرهم. ما يجري اليوم في المصانع والمؤسسات ليس حالات فردية ولا استثناءات ظرفية، بل سياسة ممنهجة تُمارَس بدمٍ بارد، حيث يُصرَف العامل باسم القانون، ويُجَوَّع باسم الواقعية، وتُدفن كرامته تحت شعارات مزيّفة. هذا المقال ليس انفعالًا عابرًا، بل شهادة اتهام في وجه دولة غائبة، ونقابات مُصادَرة، وأحزاب أتقنت إدارة الانهيار على حساب الإنسان.

ترهيب اجتماعي منظَّم تحت عباءة القانون

ليس من المبالغة القول إن ما يتعرّض له العامل اللبناني اليوم يرقى إلى مستوى الترهيب الاجتماعي المنظّم. لم يعد الحديث عن حقوقٍ مهدورة أو تقصيرٍ إداري، بل عن نهجٍ كامل يقوم على سحق الإنسان تحت عباءة “القانون”، وتركه يواجه مصيره وحيدًا، بلا حماية ولا أفق ولا كرامة.

أن يبلغ الاستهتار بالمواطن هذه المرحلة يعني أنّ الدولة قرّرت الانسحاب من مسؤولياتها الأخلاقية قبل الدستورية. وزارة العمل، التي يُفترض أن تكون الملجأ الأخير للعامل، تقف موقف المتفرّج. لا رقابة فعلية، لا محاسبة، لا إجراءات رادعة توقف النزيف اليومي في المصانع والمؤسسات، ولا سيما الغذائية منها، حيث يُصرَف العمال بالجملة وكأنهم عبء فائض عن الحاجة.

قانون يُستَخدم كسكين لا كدرع

الأخطر من ذلك أنّ هذا الصرف يتم تحت ذريعة “القانون”. قانونٌ يُستَخدم كسكين بيد ربّ العمل، لا كدرع لحماية العامل. يُقال للعامل ببرودة أعصاب: لك عندنا عدد من الأشهر (بحسب سنين الخدمة). وحين تُترجم هذه الأشهر إلى أرقام، يتبيّن أن مجموع ما تقاضاه فعليًا لا يتجاوز حفنة من الدولارات، مبلغ لا يكفي إيجار منزل صغير في حي شعبي لنصف سنة واحدة، فكيف يمكن أن يكون تعويض نهاية خدمة، أو جسر عبور إلى حياة مستقرة؟

البطالة: من فقدان العمل إلى فقدان القيمة

ويزداد المشهد قتامة حين نضعه في سياق الانتشار المرعب للبطالة في لبنان. فالعامل الذي يُصرَف اليوم لا يُصرَف ليبحث عن فرصة أفضل، بل ليُضاف إلى جيشٍ متنامٍ من العاطلين عن العمل، بلا أفق ولا أمل. البطالة لم تعد حالة استثنائية، بل تحوّلت إلى واقع يومي ينهش المجتمع من الداخل، ويُهدّد استقراره النفسي والاجتماعي. آلاف الشباب بلا عمل، وآلاف الآباء يُقصَون من وظائفهم في أعمار حرجة، فيما السوق مقفلة، والمؤسسات تُقفل أو تُخفّض عمالتها، والدولة غائبة عن أي سياسة تشغيل أو إنقاذ.

الأخطر أنّ البطالة في لبنان لم تعد تعني فقط فقدان الدخل، بل فقدان القيمة الاجتماعية. عامل بلا عمل يعني أسرة مهدّدة، تعليمًا مفقودًا، صحةً مهملة، وانزلاقًا قسريًا نحو الفقر المدقع. ومع غياب أي خطط وطنية لمكافحة البطالة، أو برامج دعم للعاطلين عن العمل، يتحوّل الصرف من الوظيفة إلى حكم طويل الأمد بالإقصاء، خصوصًا لمن تجاوزوا سنّ الشباب ولم يعودوا “مغريين” لسوق العمل.

نقابات مُفرَّغة… وآخر خطوط الدفاع المكسورة

أما النقابات، فقصتها أشدّ إيلامًا. تلك التي وُجدت لتكون صوت العامل وصرخته في وجه الاستغلال، جرى تفريغها من مضمونها، وتدجينها، وربطها بمصالح سياسية وحزبية. تحوّلت من قوّة ضغط إلى أداة صمت، ومن درعٍ يحمي الكادحين إلى واجهة شكلية تُستَخدم عند الحاجة الإعلامية ثم تُعاد إلى الغياب. هكذا خسر العامل آخر خطوط الدفاع عنه، وبات مكشوفًا تمامًا أمام جشع أرباب العمل.

الأحزاب والسياسيون يتحمّلون المسؤولية الأكبر. هم من عبث بالنقابات، وهم من غطّى هذا الانهيار، وهم من ترك وزارة العمل بلا فاعلية، ليبقى العامل وقودًا لأزمة لم يصنعها. لم يعد الأمر مجرّد فشل إداري، بل تواطؤ صريح على حساب لقمة الناس وكرامتهم.

ما بعد الخامسة والأربعين: الإعدام الاجتماعي البطيء

والسؤال الأكثر رعبًا، والذي لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه: ماذا يفعل العامل الذي تجاوز الخامسة والأربعين حين يُصرَف؟ إلى أين يذهب؟ في أي سوق عمل؟ في أي بلد؟ في نظام اقتصادي يقوم على الواسطة والمحسوبية لا على الخبرة والكفاءة؟ هذا ليس صرفًا من عمل، بل حكم بالإعدام الاجتماعي البطيء.

ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة ولا نتيجة ظرف اقتصادي فقط، بل جريمة مكتملة الأركان بحق الإنسان اللبناني. وحين يصبح الظلم إجراءً روتينيًا، والصمت سياسة، والتجويع أداة إدارة، فإن الانفجار الاجتماعي لا يعود احتمالًا، بل نتيجة حتمية. الخطر الحقيقي ليس في غضب الناس فحسب، بل في مجتمع يُدفَع إلى اليأس ويُترك بلا أمل، لأن الإنسان حين يُسلب كل شيء، لا يعود لديه ما يخسره.

عمال يُصرَفون على أبواب الأعياد

وعلى أعتاب عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية، تلقّى عدد من العمال في إحدى المصانع الغذائية صدمة مؤلمة، حين أُبلغوا بالاستغناء عن خدماتهم، بعد أن تم “إرضاؤهم” بحفنة من الدولارات لا تغني ولا تسمن من جوع.

ع.م، عامل قضى نحو 28 عامًا من عمره في المصنع، بذل جهده وصحته وعطائه لإنتاج المصنع، ومع ذلك لم يجد أمامه سوى مكالمة من مدير الموارد البشرية ليبلغه: “لقد استغنينا عن خدماتك.” فأجابه بكل كرامة: “نغادر بكرامتنا.” عوضًا عن وسام أو درع تقدير لعطاءاته الطويلة، غادر ع.م مكان عمله وهو محمّل بالألم والغصّة والدموع.

وليس حاله أفضل من ب.أ.ن، الشاب المكافح الذي حمل على عاتقه مسؤولية عائلته بعد وفاة والده، ليصبح المعيل الوحيد لأخواته وإخوته المرضى وابنة أخته، وقد وجد نفسه اليوم بلا عمل ولا سند.

وهكذا، أصبح عدد كبير من العمال بلا مصدر دخل، وربما بلا حياة كريمة، في مشهد يعكس واقعًا مؤلمًا للعمال اللبنانيين الذين تُهدر حقوقهم وكرامتهم يوميًا.

يبقى الأمل أن يُسمَع صوت هؤلاء الذين أخلصوا في عملهم طيلة سنوات، وأن يجدوا من يرفع عنهم هذا الظلم ويحفظ لهم كرامتهم وحقوقهم المهدورة.

السابق
تزوير تواريخ الصلاحية.. ضبط 27 طناً من الملوخية اليابسة في جنوب لبنان
التالي
قوى الأمن: توقيف شخص قام بأكثر من 40 عملية نشل في بيروت