بروفايل نفسي–سياسي لبشار الأسد: هشاشة القائد في بنية سلطوية

منى فياض

في الدراسات الحديثة لعلم نفس القيادة والأنثروبولوجيا السياسية، تبرز شخصية بشار الأسد كحالة استثنائية تجمع بين ضعف البنية النفسية وصلابة البنية السلطوية. فالرجل لم يصنع نظاماً، بل ورث نظاماً صُنع من أجل غيره؛ ولم يطالب بالسلطة، بل فُرضت عليه؛ ولم يمتلك الصفات القيادية الضرورية، فبنى لنفسه سلطة تعويضية قائمة على العنف المفرط والاعتماد الكامل على القوى الخارجية.

ظهور الفيديوهات المسرَّبة مؤخراً – ضحكاته العصابية، سخريته من الضباط، احتقاره للشعب، وتعامله الهازئ والسطحي مع مآسي الغوطة – وفَّرت مادة تحليلية نادرة تكشف البنية الحقيقية لشخصيته، وتؤكِّد ما كانت الأخبار والشهادات تُلمِّح إليه منذ سنوات: أن القائد الذي يظهر صلباً من الخارج، هشٌّ إلى حدّ الانهيار من الداخل.

لنقم بمحاولة لإعادة تركيب شخصية الأسد كما تتبدّى من تاريخه الشخصي، وتكوينه العائلي، ومساره السياسي، وسلوكه كحاكم، باستخدام الأدوات التفسيرية لعلم النفس السياسي وأنثروبولوجيا السلطة.

1. القائد بالصدفة

لا ينشأ القائد السلطوي عادة من فراغ. لكنه، في النماذج المألوفة، لا يكون أيضاً «قائداً بالصدفة». بشار الأسد كان كذلك: لم يُربَّ كقائد. لم يُدرَّب لإدارة العنف السياسي. لم يُعَدّ ليكون وريثاً. عاش حياة هادئة ومنعزلة نسبياً في بريطانيا.

لكن وفاة باسل الأسد فجأة نقلته من الهامش إلى مركز منظومة حكم مخيفة، لم يُعَدّ عقلياً أو نفسياً لها. وهنا يظهر مفهوم القيادة المتعسِّرة (Leadership disloqué): قيادة تُلقى على صاحبها قبل أن يكون مهيَّأً أو جاهزاً لها، فتنتج فجوة بين الدور والذات، ويظهر السلوك التعويضي والعنيف كوسيلة لترميم هذا الانقسام.

2. شعور مزمن بعدم الجدارة

في علم نفس القيادة، حين يشعر الحاكم بأنه لا يستحق موقعه، يحدث واحد من أمرين: إمّا أن يتراجع ويتحوّل إلى أداة في يد الآخرين، أو أن يبالغ في العنف والصلابة ليقنع نفسه أولاً بأنه قائد.

بشار جمع الأمرين: صورة «القائد الصلب» من الخارج، واعتماد كامل على الخارج من الداخل. وهذا التناقض يشكّل جوهر شخصيته السياسية.

3. الأب كجدار، لا كنموذج

حافظ الأسد كان نموذجاً كلاسيكياً لـ«الأب السلطوي المؤسِّس»: ذو حضور طاغٍ، خبير في إدارة الخوف، ومحترف في استعمال القوة الرمزية والمخابراتية. لكن بشار لم يكن الابن المُفضَّل ولا المُدرَّب في مدرسة الأب. نتج عن ذلك: غياب «التمثّل المباشر» لشخصية الأب. شعور بأن شرعيته مستعارة. قلق مكتوم من المقارنة الدائمة مع الأب الراحل والأخ المفقود.

في علم نفس القيادة، حين يشعر الحاكم بأنه لا يستحق موقعه، يحدث واحد من أمرين: إمّا أن يتراجع ويتحوّل إلى أداة في يد الآخرين، أو أن يبالغ في العنف والصلابة ليقنع نفسه أولاً بأنه قائد.

4. الأم كوصيّة لا كشريك في التنشئة

في علم النفس، غالباً ما تُنتج الأم المتسلِّطة في بيئة سياسية مغلقة «الابن المعتمِد نفسياً». أنيسة مخلوف كانت قوية، نافذة، متحكِّمة في الدائرة العائلية. تأثيرها على بشار جاء في ثلاث زوايا: حماية من العالم معزَّزة بالقلق، دفعه إلى قبول السلطة كواجب عائلي لا كمشروع ذاتي، تغذية شعوره بأن مكانته نابعة من العائلة لا من ذاته.

هذا يفسِّر لماذا يبحث الأسد باستمرار عن «مكمِّلات للقيادة» خارجية تعوِّض نقص الاستحقاق الداخلي: إيران، حزب الله، وروسيا.

5. الرئيس الذي يخاف مؤسِّس النظام

الأنظمة السلطوية التي يبنيها زعيم قوي (حافظ الأسد) لا تنتج عادة وريثاً مماثلاً. هي تنتج بنية أقوى من الأفراد. وحين يأتي وريث ضعيف البنية النفسية، يصبح: واجهة للنظام، رهينة لشبكاته، وفي حالة الأسد، تابعاً لحلفائه الخارجيين.

لذلك لم يستخدم بشار إيران وروسيا؛ هم الذين استخدموه.

6. العنف كعلاج نفسي

من منظور علم النفس السياسي، العنف الشديد قد لا يكون تعبيراً عن القوة، بل عن العجز. والقائد الذي يشعر بالتهديد الداخلي يلجأ إلى: مضاعفة العنف، تدمير البيئة التي تهدّده، تحويل الخصم إلى «عدو وجودي».

ما أوصله إلى الاحتفاء بالقسوة كاختزال للقيادة. الثورة السورية عام 2011 لم تُنتج وحشاً، بل كشفت الوحش المختبئ خلف قناع الخجل الهادئ.

7. الطقوس السلطوية

الدولة السورية في عهد الأسد تحوّلت إلى مسرح تُمارَس فيه الطقوس ويُعاد إنتاج: الولاء الشخصي، التبجيل الكاريكاتوري، الخطاب البطولي المصطنع، مشاهد التقبيل، الركوع، والهتاف، تأليه الرئيس بما لا يصدّقه الرئيس نفسه.

هذه الطقوس تعكس ليس قوة الحاكم، بل خوفه.

8. احتقار الجماهير

في الأنظمة السلطوية، هناك سلوك متكرِّر مأخوذ من الأنظمة الوراثية: كلما احتاج القائد إلى المزيد من طقوس التمجيد، ازداد احتقاره لمن يقومون بها. والسبب يكمن في أن الطاعة المطلقة تذكّر الحاكم بأنه لا يستحقها.

الفيديوهات المسرَّبة هي الوجه الحقيقي للذات الخفيّة. فهي ليست مواد سياسية، بل مواد نفسية.

من منظور علم النفس السياسي، العنف الشديد قد لا يكون تعبيراً عن القوة، بل عن العجز. والقائد الذي يشعر بالتهديد الداخلي يلجأ إلى: مضاعفة العنف، تدمير البيئة التي تهدّده، تحويل الخصم إلى «عدو وجودي».

9. ضحك الهروب من الذات

ضحكاته على ذكر تدمير الغوطة ليست سخرية من الموت، بل سخرية من دوره في الموت. ضحك قَلِق، دفاعي، يُعالج توتراً داخلياً.

10. احتقار الضابط الخاضع

احتقاره لضابط يقبِّل يده هو لحظة نفسية مركّبة: احتقار للآخر لأنه يخضع، واحتقار للذات لأنها غير جديرة بالخضوع. هذه المفارقة هي جوهر «القيادة التعويضية».

11. الانفصال العاطفي عن الواقع

سخريته من المأساة تُظهر ما يسمّيه علماء النفس السياسي: «الخَدَر العاطفي لدى الحاكم السلطوي».

12. الحقيقة العارية

في العلن، يبدو الأسد هادئاً، متماسكاً، عقلانياً. في الخفاء، هو رجل مأزوم في هويته القيادية، مكبوت، محتقر للذات، يحتمي بالضحك والعنف.

الخلاصة

تُظهر القراءة النفسية–السياسية أن بشار الأسد ليس ديكتاتوراً كلاسيكياً، بل حالة أكثر تعقيداً: شخصية هشّة أُجبرت على سلطة صلبة، ذات (Self) غير متصالحة مع دور مفروض، قيادة تعتمد على العنف كتعويض، علاقات خارجية تعويضية، احتقار للجماهير نابع من احتقار الذات، وظهور مسرَّب يكشف أن السلطة عنده ليست مصدر قوة، بل مصدر خوف.

إنه نموذج لحاكم لا يحكم لأنه قوي، بل لأن النظام يحتاجه واجهة. ولا يدمّر شعبه لأنه صلب، بل لأنه ضعيف إلى حدّ لا يحتمل صورته في المرآة. إنه القائد الذي لم يحتمل نفسه، فاحتملته السلطة الاستبدادية.

السابق
تقرير: عراقجي في مهمة «خطيرة» في بيروت.. استبدال نعيم قاسم؟!
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 15 كانون الأول 2025