الهجرة الصغيرة

النزوح

لم تكن تحتاج جواز سفر ولا معابر حدودية
كنا ننتقل من حارة الى اخرى و من شارع الى اخر
نحاول الافلات من ظل يطاردنا لا من حرب فوق رؤوسنا
في الحي الذي كنت اسكن فيه
بناية من اربع طوابق محاطة بستائر خارجية مغلقة دائما
كأن الضوء نفسه ممنوع من الدخول إليها
على الزوايا كاميرات موجهة نحو المدخل و الموقف و الشارع
لا لحماية الناس بل لمراقبتهم
عين باردة تعرف من يدخل و من يخرج و من قد يمر صدفة في اللحظة الخاطئة
الجميع كان يعرف انها غرفة عمليات
سيارات بلا لوحات
رجال بخواتم فضية و قمصان سوداء و نظارات شمسية في الليل كما في النهار
يعملون بسرية هشة أو بغباء سافر
وجوههم وحدها كانت كافية لتفضح كل شيء
مع بداية حرب الإسناد المشؤومة
تحول وجودهم من تفصيل مزعج الى رعب محتوم
قنبلة موقوتة مغروسة بين بيوتنا تذكرنا كل الوقت ان الموت قد يبدا من الطابق العلوي لا من السماء البعيدة
أشهر طويلة من التوتر
من التربص
من العيش بجوار هدف ينتظر صاروخاً
حين كانت الأزمة تشتد
كنا ننزح من بيتنا الى الحارة المجاورة لحارتنا
نزوح بلا جغرافيا
نخرج و نعود ثم نخرج و نعود
كأننا نحاول اقناع انفسنا ان الخطر له حدود و ان الحارة الخلفية أقل موتا من الامامية
بدلت مكان سكني عدة مرات
كل مرة كنت اطرح السؤال ذاته
من هو العدو الأكثر اجراماً
صاحب الطائرة ام صاحب الغرفة المغلقة المختبئ بين بيوتنا و نحن المكشوفين أمام القصاص
لم نكن نسميه تهجير
كنا نعتبره انتقال روتيني
من بيت واسع الى بيت أضيق
ومن بيت قديم الى شقة جديدة
نعلق كل مرة صورنا على الجدران لنقنع أنفسنا بالانتماء
و نعرف ان المكان مؤقت و ان الحرب وحدها هي الدائمة
قبل يوم الاثنين الأسود
كنا نهرب عند كل سلسلة غارات
كأن القصف كان يعلن بداية (وقت الفسحة)
نحمل ما تيسر و نتجه الى خارج الجنوب
نسرب أجسادنا بين خطوط النار و ننطلق نحو الخلاص المؤقت
لكن يوم بدأت الحرب الشاملة
تغير المشهد
لم يعد النزوح تفصيلا بل صار هو القاعدة
نزح الجميع
افترشت الناس الشوارع و المدارس و الشقق و مداخل الابنية
ستة و ستون يوما من القهر
كسرت قطعة من الخريطة
حولتها الى ركام
و نثرت أهلها في الجهات الأربعة
يبحثون عن مكان لاتصل اليه السماء الغاضبة
و لا الرجال أصحاب الستائر المغلقة

السابق
وسط مخاوف من الغلاء والاحتقان الشعبي.. بدء طرح البنزين بسعر 5 آلاف تومان في إيران
التالي
جعجع: بري يضرب بعرض الحائط المهل الدستورية