ثمة ما يجري خلف الستار تخشاه الدبلوماسيات الكبرى أكثر مما يخشاه اللبنانيون أنفسهم.
فالمعلومات التي بدأت تتسرب من مصادر ضيقة تشير إلى أن لبنان يقترب من لحظة خطيرة لا تُشبه أي محطة سابقة، لحظة تُعامل في بعض التقارير الغربية كنقطة اللاعودة،حيث لا يعود الهدف إنقاذ النموذج اللبناني بل استبداله.
التحذيرات التي كانت تُلقى بنبرة دبلوماسية أصبحت تُقال بصرامة غير معهودة، وبعضها بات يُنقل بصوت منخفض بعيدًا حتى عن الاجتماعات الرسمية، كأن العالم يستعد لسيناريو يتعامل فيه مع لبنان كخطر جيوسياسي لا يمكن تركه ينهار على وتيرته.
تأتي زيارة البابا في قلب هذه اللحظة كاختبار عالمي دقيق لمعرفة ما إذا كانت مؤسسات الدولة اللبنانية قادرة على إدارة محطة بهذا الحجم
التقارير التي وصلت إلى دوائر القرار في أوروبا وواشنطن تؤكد أن الأزمة اللبنانية تخطت مفهوم الانهيار الداخلي، وباتت عنصر اضطراب يهدد توازن شرق المتوسط.
إقرأ أيضا: تضم 14 سفيرًا: لبنان يستعد لاستقبال بعثة مجلس الأمن الدولي.. لقاءات مع الرؤساء الثلاثة وجولة في الجنوب
النافذة الزمنية التي مُنحت للبنان لإعادة ترتيب وضعه لم تعد تضيق فقط إنها تغلق بسرعة لافتة وفي الخلفية، تتسارع استعدادات تل أبيب العسكرية بصورة غير عادية، بينما تنتهج واشنطن برودًا قاتلًا يشبه اللحظة التي تسبق عملية كبرى ،لحظة يتم فيها تثبيت القرار قبل الانتقال إلى التنفيذ.
التقارير التي وصلت إلى دوائر القرار في أوروبا وواشنطن تؤكد أن الأزمة اللبنانية تخطت مفهوم الانهيار الداخلي، وباتت عنصر اضطراب يهدد توازن شرق المتوسط
في هذا الإطار، تحولت الفترة الممتدة حتى نهاية كانون أول إلى مهلة معلنة وقائمة فعلًا، تضغط فيها الولايات المتحدة على الدولة اللبنانية لاتخاذ خطوة حاسمة تتعلق بملف السلاح غير الشرعي.
واشنطن لم تعد تريد تبريرات ولا خطابات ولا بيانات،تريد خطوة على الأرض، ولو رمزية، تثبت أنّ الدولة ما تزال موجودة وغياب هذه الخطوة سينقل الملف إلى مستوى آخر من التعاطي، مستوى يعني استخدام أدوات ضغط تتجاوز قدرة لبنان على الاحتمال، أدوات مالية، سياسية، و أمنية.
وتأتي زيارة البابا في قلب هذه اللحظة كاختبار عالمي دقيق لمعرفة ما إذا كانت مؤسسات الدولة اللبنانية قادرة على إدارة محطة بهذا الحجم.
الزيارة لم تعد حدثًا رمزيًا فقط بل أصبحت معيارًا يُقاس من خلاله ما تبقى من فعالية المؤسسات وأي خلل، مهما كان صغيرًا، سيُسجَّل كدليل إضافي على انهيار القدرة التنفيذية.
ويُقال إن تقريرًا أوليًا سيُرفع فور نهاية الزيارة إلى جهات أميركية وأوروبية، ليُبنى عليه في رسم المرحلة المقبلة.
واشنطن لم تعد تريد تبريرات ولا خطابات ولا بيانات،تريد خطوة على الأرض، ولو رمزية، تثبت أنّ الدولة ما تزال موجودة وغياب هذه الخطوة سينقل الملف إلى مستوى آخر من التعاطي، مستوى يعني استخدام أدوات ضغط تتجاوز قدرة لبنان على الاحتمال
وبالتزامن ستصل أوروتاغوس إلى بيروت مباشرة بعد لقائها بمسؤولين في تل أبيب،هذا الترتيب ليس صدفة ،إنه تسلسل مدروس،تفحّص الجبهة الإسرائيلية أولًا، ثم الانتقال إلى بيروت لمعرفة إن كان لبنان قادرًا على منع الانزلاق، أو إن كان يسير نحوه بلا قدرة على التوقف.
ما ستنقله من تل أبيب سيُقارن بما ستسمعه في بيروت، وعلى ضوء الفارق بين الجبهتين سيتحدد اتجاه الضغط الأميركي قبل إقفال المهلة.
وعلى الحدود الجنوبية، يتحرك المشهد بإيقاع مختلف تمامًا،إسرائيل تتصرف وفق تقدير يعتبر أن لبنان يعيش أضعف لحظاته منذ عقود، (فالمناورات، طلعات الطائرات، تغيّر طبيعة الأهداف، جهود التعبئة)،تشير إلى أن النقاش لم يعد حول احتمال الحرب، بل حول موعدها فقط.
العواصم الغربية تسمع طبول هذه الحرب بوضوح تام، وتتحدث عنها كحدث أصبح أقرب بكثير مما يظن الداخل اللبناني.
إقرأ أيضا: عندما يتكلم نعيم قاسم
لكن الأخطر من كل ذلك هو ما بدأ يتشكل في الكواليس الدولية حول تحوّل عميق في طريقة النظر إلى لبنان،فبدل السؤال التقليدي: كيف نحمي لبنان؟بدأ يظهر سؤال أكثر خطورة:هل يجب الحفاظ على لبنان بشكله الحالي؟ أم أن الوقت حان لإعادة صياغته؟
هذه ليست جملة صحفية،إنها عبارة وردت في مذكرة مغلقة وجاءت حرفيًا:لبنان فقد صلاحيته كنموذج، وقد يصبح خلال فترة وجيزة ساحة لإعادة توزيع القوى لا دولة قائمة بذاتها.
العواصم الغربية تسمع طبول هذه الحرب بوضوح تام، وتتحدث عنها كحدث أصبح أقرب بكثير مما يظن الداخل اللبناني
المذكرة ذاتها تطرح للمرة الأولى احتمالًا كان يُعتبر من المحرمات السياسية: وضع لبنان تحت إدارة انتقالية غير مباشرة وصاية أمنية ناعمة، أو آلية دولية تُمسك بالمفاصل الأساسية ريثما يُعاد تشكيل البنية السياسية. هذا السيناريو لم يكن يُناقش حتى في الخيال السياسي قبل سنوات أما اليوم فيُطرح بجدية كاملة.
والصادم أن بعض القوى الإقليمية لا ترفض هذا المسار، بل تعتبره فرصة لإعادة توزيع النفوذ فوق أرض فقدت مناعتها.
وهناك نقاشات تُطرح خلف الأبواب المغلقة حول رسم حدود تأثير جديدة داخل لبنان، والتعامل معه كحالة سياسية قابلة لإعادة الهندسة، تمامًا كما جرى في دول دخلت مرحلة إعادة الهيكلة بعد انهيار أنظمتها.
وللمرة الأولى، تظهر تحليلات غربية تتعامل مع احتمال أن يفقد لبنان ليس فقط مؤسساته، بل تعريفه السياسي نفسه أن يصبح مكانًا تُعاد صياغته من الخارج، لا دولة تُصلح من الداخل.
المخاوف لم تعد من الانهيار بل من ما قد يبنى فوق الانهيار،فالبعض في الخارج وصل إلى قناعة مرعبة مفادها أن سقوط النظام اللبناني الحالي قد يكون أفضل توقيت لإعادة تشكيل التوازنات في شرق المتوسط.
هناك نقاشات تُطرح خلف الأبواب المغلقة حول رسم حدود تأثير جديدة داخل لبنان، والتعامل معه كحالة سياسية قابلة لإعادة الهندسة، تمامًا كما جرى في دول دخلت مرحلة إعادة الهيكلة بعد انهيار أنظمتها
الأجهزة الدولية لم تعد تسأل كيف نمنع السقوط؟السؤال الجديد والأخطر هو:كيف نُدير الانفجار وكيف نرسم ما يأتي بعده؟
إن أخطر ما ينتظر لبنان ليس الحرب، ولا الانهيار الاقتصادي، ولا الفوضى الأمنية، بل اللحظة التي يتوقف فيها العالم عن التعامل معه كدولة يجب إنقاذها ويتعامل معه كأرض سياسية جاهزة لإعادة التشكيل.
إقرأ أيضا: من بولس السادس إلى لاوون الرابع عشر.. لبنان على موعد مع الفاتيكان مجددًا: رسالة سلام في قلب العاصفة
عند تلك اللحظة، لا يعود السؤال عن الحكومة ولا الرئيس ولا الإصلاح بل عن شكل لبنان المقبل، حدوده الناعمة، مراكز قواه، وطبيعة هويته السياسية.
وإذا فُتح هذا الباب ولو قليلًا فلن يستطيع أحد في الداخل اللبناني إغلاقه.
وذلك سيكون السيناريو الذي لا يغيّر لبنان فقط بل يهزّ المنطقة كلها.

