لطالما مثّل لبنان بالنسبة لحاضرة الفاتيكان “أكثر من وطن، هو رسالة”، ولعل هذه العبارة البابوية الشهيرة تلخص العمق الاستثنائي للعلاقة التي تُوجت بثلاث زيارات تاريخية لحبرَيْن أعظمَيْن هما البابا بولس السادس، البابا يوحنا بولس الثاني، والبابا بنديكتوس السادس عشر.
لم تكن هذه الزيارات مجرد محطات بروتوكولية، بل كانت شهادات حب ودعم روحي ومعنوي لبلد يمر بأصعب الظروف.
محطات تاريخية ورسائل ثابتة
1. زيارة بولس السادس (1964): أول حبر أعظم يطأ أرض الشرق
تعتبر زيارة البابا بولس السادس في عام 1964 لحظة تاريخية بامتياز، إذ كانت أول زيارة يقوم بها حبر أعظم إلى الشرق الأوسط على الإطلاق.
وجاءت الزيارة في سياق عودته من الهند، وكانت محطة عابرة لكنها ذات دلالة عميقة.

وجرت هذه الزيارة في العصر الذهبي للبنان، قبل اندلاع الحرب الأهلية، مما جعلها اعترافاً ببيروت كعاصمة للتعايش والانفتاح الثقافي.

وأكدت الزيارة على الرابط الأبوي العميق بين الكرسي الرسولي والكنائس المارونية والشرقية، وعززت مكانة لبنان كمركز إشعاع مسيحي في المنطقة.
2. زيارة يوحنا بولس الثاني (1997): لبنان رسالة
وجاءت زيارة القديس يوحنا بولس الثاني في عام 1997، بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب الأهلية، في وقت كان فيه لبنان بأمس الحاجة إلى رسالة وحدة وسلام.
والتقى البابا بالشباب واحتفل بقداس ضخم، وحضرته حشود هائلة من مختلف الطوائف. كان الإنجاز الأبرز هو تأكيده على المقولة الخالدة: “لبنان أكثر من وطن، هو رسالة”، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بالعيش المشترك والثبات على أرضهم. كانت رسالته نفحة أمل لإعادة بناء الثقة الوطنية.

3. زيارة بنديكتوس السادس عشر (2012): الحوار ضمانة الوجود
في عام 2012، زار البابا بنديكتوس السادس عشر لبنان في ظروف أمنية وسياسية دقيقة، حيث كان البلد مثقلًا بالاستقطابات والشلل السياسي في خضم تداعيات “الربيع العربي” في المنطقة.
والأهمية القصوى لزيارته تمثلت في اختياره بيروت لتوقيع الإرشاد الرسولي “الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة”.
وأكد البابا أن العيش المشترك في لبنان هو ضمانة لمسيحيي الشرق، ووجه رسالة قوية للشباب قائلاً: “لا تخافوا ولا تتجرّعوا عسل الهجرة المرّ”، في دعوة واضحة للتمسك بالأرض والهوية.

نتائج وتداعيات الزيارات
تجاوزت نتائج هذه الزيارات البعد الديني البحت، لتلامس صلب القضية اللبنانية.
نتائج زيارات الباباوات إلى لبنان: من الحوار إلى الثبات
تجاوزت نتائج زيارات الباباوات الثلاثة (بولس السادس عام 1964، يوحنا بولس الثاني عام 1997، وبنديكتوس السادس عشر عام 2012) إلى لبنان البعد الديني البحت، لتترك بصمات عميقة على الصعيد الوطني والروحي والدولي، ويمكن تلخيص أبرز هذه النتائج والتداعيات فيما يلي:
تثبيت الهوية اللبنانية: أكدت الزيارات المتتالية، وخاصة زيارة يوحنا بولس الثاني، مقولة “لبنان أكثر من وطن، هو رسالة”. هذه المقولة رسخت في الوعي الدولي فكرة أن لبنان ليس مجرد دولة عادية، بل هو نموذج حي للتعددية والعيش المشترك بين مختلف الأديان والطوائف في الشرق الأوسط.
ضمانة مسيحيي الشرق: اعتبرت الفاتيكان، من خلال توقيع بنديكتوس السادس عشر للإرشاد الرسولي في بيروت عام 2012، أن استقرار لبنان ووحدة أبنائه يمثل ضمانة لوجود مسيحيي الشرق الأوسط كله.
دعم ما بعد الحرب (1997): جاءت زيارة يوحنا بولس الثاني لتكون صك مصالحة وطنية ومعنوية بعد الحرب الأهلية، حيث مثلت القداسات الهائلة التي أقامها رمزاً لإعادة جمع اللبنانيين حول قضية وطنية مشتركة، وتأكيداً على أهمية تطبيق وثيقة السينودس الخاص بلبنان الذي دعا إليه.
تعزيز الشرعية الدولية: وضعت الزيارات لبنان بشكل دائم على خارطة الاهتمام العالمي للفاتيكان، مما شكل ضغطاً معنوياً على القوى الإقليمية والدولية لاحترام سيادته واستقلاله.
دعوات الثبات: وجه الباباوات، وخاصة بنديكتوس السادس عشر، دعوات واضحة وقوية للشباب اللبناني والمسيحيين للتمسك بأرضهم. وقد شدد على أن الهجرة هي “عسل مر” وتؤدي إلى خسارة لبنان لرسالته الفريدة.
تجديد الالتزام الكنسي: أكدت الزيارات على الدور الأساسي الذي تلعبه المؤسسات الكنسية والكاثوليكية في لبنان، من مدارس وجامعات ومستشفيات، كركائز لصمود المجتمع وتقديم الخدمات الاجتماعية والإنسانية في أصعب الظروف الاقتصادية.
الزيارة التأسيسية (1964): بزيارة بولس السادس، تم الاعتراف بلبنان كـ “مركز إشعاع” وحاضنة للحوار بين الشرق والغرب، وهي رسالة سبقت كل النزاعات اللاحقة.
التأكيد على الاعتدال: أكدت الزيارات على أهمية دور لبنان كنموذج للاعتدال والابتعاد عن التطرف، مشددة على أن الحوار هو المسار الوحيد لضمان السلام والاستقرار في المنطقة المضطربة.
بشكل عام، كانت نتائج هذه الزيارات تدور حول رسالة محورية: الحفاظ على لبنان كمركز للحوار والعيش المشترك، وكبح جماح اليأس الذي يدفع سكانه إلى الهجرة. هل تودّ معرفة كيف انعكست هذه النتائج على مواقف الفاتيكان السياسية تجاه لبنان بعد عام 2012؟.
لاوون الرابع عشر
واليوم يستعد لبنان “وطن الرسالة” لاستقبال البابا لاون الرابع عشر في أجواء مشحونة بالتحديات ومفعمة بترقب خاص.

الفاتيكان وصف هذه الزيارة بـ”اللحظة الفارقة” تُعلّق عليها الآمال في بلد يصارع ضائقة اقتصادية خانقة ومخاوف وجودية تهدد نسيجه الاجتماعي المتفرد، بالإضافة إلى استهداف إسرائيلي مع كل شروق شمس رغم اتفاق وقف اطلاق النار الموقع في 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2024.
لبنان بلد العيش المشترك والحضارات يستضيف البابا لاون لمدة أيام، وسيمر بمحطات عدة يبدأها الأحد بزيارة القصر الجمهوري، حيث يلتقي الرؤساء الثلاثة.

