أنطوان سلامة يضع الشيعة والموارنة في دراسة مقارنة

غلاف كتاب

يوحي عنوان كتاب الصحفي والأكاديمي اللبناني أنطوان سلامة ” الموارنة والشيعة – التلاقي والتصادم” ( هاشيت أنطوان – نوفل- 2025 ) أنّنا أمام وثيقة سياسيّة تظهر المعارك التي خاضتها الطائفتان بوجه بعضهما البعض، خاصّة وأنّ اشكاليّة الكتاب المركزيّة تتمحور حول واقع كلّ طائفة بالنسبة إلى الأخرى، وكيف ترجم الصراع بينهما بدءًا من ما قبل المتصرفيّة مرورًا بالحرب الأهليّة اللبنانيّة وصولًا إلى الانقسام الحالي.
لكنّ الكتاب الذي يتألّف من مقدّمة و أربعة عشر فضلًا موثّقًا بمصادر ومراجع تاريخيّة وسياسيّة يتّخذ بخلاف تصنيفه من قبل الدار في الخانة السياسيّة، طابعًا تاريخيًّا- سياسيّا مقارنًا نظرًا لما انتهجه الباحث من مسار في الفصول اعتمد على تفكيك الجذور التاريخيّة لكلّ طائفة وتفنيد أصل كلّ منهما التاريخي، بالإضافة إلى تلخيص تجربتي الطائفتين الثقافيّة والسياسيّة الاجتماعيّة؟

الجذور والانتماء للنسيج اللبناني

لجأ سلامة إلى اللغة البحثيّة القصصيّة معتمدًا على توثيق كلّ مركبّ خبريّ أو سياسي تاريخيّ بمرجع يبيّن الفكرة أو يثبتها، لكنّ سلامة استخدم سرديّة معارضة أبو ذر الغفاري وعلي بن أبي طالب لخلافة أبي بكر الصديّق دون تسويغها على أنّها مسلّمة وهو ما يعد هفوةً خاصّة وأنّ هذه الفكرة لا يتبنّاها كلّ الشيعة ويرفضها السنّة بالمطلق، بالرغم من ذلك امتاز سلامة بالموضوعيّة وعدم انحيازه لطرف على حساب آخر وتميّز بموضوعيّته حين اعتمد المسار الكرونولوجي ( الزمني ) الموثّق في تحديد كيفيّة دخول الشيعة الى النسيج اللبناني( عبر مساومتهم وتخليهم عن التمسك بعصبيّتهم القبليّة) ودخول الموارنة النسيج اللبناني العربي ( تخلّيهم عن اللغة السريانيّة كلغة رسميّة وهي مساومة ثقافيّة).
من النقاط البحثيّة التي تؤكّد تمسّك الباحث بنبرته الأكاديميّة البحثيّة وقوفه عند الجدل بين المؤرخين في عدّة نقاط أبرزها الصراع حول أقدميّة الطائفتين في كسروان، وتقسيم جبال لبنان ( جبل لبنان للموارنة، جبل الشوف للدروز وجبل عامل للشيعة ) وهو تقسيم اعتمده المؤرّخ سعدون حمادة كمحاولة للتسييس الجغرافيا أو اعطائها طابعًا سياسيًّا طائفيًّا.
يحاول أنطوان سلامة أن يتّجه إلى النسق البحثي الأكاديمي تاركًا النقاط الجدليّة فيما يخصّ جذر كلّ طائفة وامتدادها التاريخي دون أن يبدي رأيًا أو انحيازًا سياسيًّا أو تاريخيًّا.

غلبة التاريخ وتأثيره على التلقّي

لا شكّ أنّ معالجة هكذا موضوع يتطلّب ربطًا للتاريخ بالسياسة، وهو ما فعله سلامة ليبرّر سلوك كل طائفة ويظهر نقاط قوّتها وضعفها، لكنّ اكثار الإشارات التاريخيّة والأسماء والمراجع وتباين الأراء والأفكار والتقسيمات وغيرها جعل من النص البحثي يغلب عليه الطابع التاريخي الصرف في بعض الزوايا والمقاطع والفصول
ما جعل عمليّة التلقّي في بعض الأحيان صعبة وعسيرة… دون أن نغفل أهميّة الاسهاب وانعكاسه الإيجابي على المهتمين والمشتغلين في التاريخ وتحريضه على البحث والتفكر وكتابة أبحاث موازية أو مصغّرة تكمل هذا الجهد أو تنبثق منه نحو فضاء وجهد بحثي آخر.
أغفل سلامة التبحّر أكثر في واقع الطائفتين في الحقبة الحديثة خصوصًا وأنّها شهدت أحداثًا تثير الجدل والنقاش والتباين الفكري التاريخي، ما جعل المتلقّي ينتظر الكثير وسط تواجده في بحر التأريخ وتفسيره وتفنيد وجهات النظر فيه.
يشكّل البحث وثيقة تاريخيّة سياسيّة مقارنة ذات طابع معرفيّ وبالرغم من استرسال الباحث تاريخيًّا لكنّه اكتسب هويّة معرفيّة تلفت انتباه الباحثين الى علاقة الطائفتين ببعضهما البعض وبالأرض والدولة والكيان وبمدى صلابة خطابهما.

السابق
علي الأمين: صراع مشروع الدولة ضد مشروع الفوضى.. وحزب الله يحتمي بالبيئة الشيعية!
التالي
إيران تبحث عن مخرج من العزلة.. الصحف الإيرانية: توتر في العلاقات مع روسيا وتصاعد الأزمات المعيشية