صيدا: حكاية الأزقّة وبحر الزمن!

تنتشر عربات الخضار بكثرة في صيدا

كان أبو محمود القرص، واسمه يهتزّ في مسامع الحارة كـصدى ناقوسٍ ضاربٍ في أعماق التاريخ، نموذجاً لانصهار الإنسان في جغرافية مدينته؛ لم يكن مجرد ساكن، بل كان جزءًا أصيلاً من نسيج صيدا القديم، كالحجر المعماري الذي لا يُدرَك كمالُ البناء إلا به. رجل أسمر البشرة، لونُه كـأعماقِ بحرِ صيدا عند المغيب، ورمادي الشعر كـزَبَد الموج حين يرتطم بصخور القلعة في ليلة مقمرة. قامته الطويلة، لا هي ارتفاعٌ عبثي، بل امتدادٌ لـإرادةٍ لم تنكسر، وظهره المنحني قليلًا ليس ضعفًا، بل هو انحناءةُ الحكمةِ أمام أثقالِ السنين، كالسُنبلةِ المُثقلة بالحصاد.

كان وجهُه، يا أبا خليل، هو الإنجيلُ الصامتُ لتاريخ المدينة؛ تجاعيدُه ليست خُطوطَ شيبٍ عادية، بل هي ممراتٌ مائيةٌ ضيقة، ترسمُ ببراعةٍ قواربَ شراعيةً، لطالما ركبها وهو يغورُ، لا في بحرِ المياه الزرقاء، بل في بحرِ الحياةِ ومتاهاتِها، يصطادُ منه دررَ حكاياته التي أورثتها إياه أزقة صيدا، تلك المدينةُ التي أحبها كحُبِ المتصوفِ لزاويتِه، وأمضى فيها عمره كله منذ أولِ صرخةٍ له حتى خفوتِ همسِه الأخير. كان لحديثه وقعٌ جهوريٌ مُهيب، يُشبهُ هزيمَ الرعدِ القادمِ من جبل عامل، وكثيراً ما راق له سردُ حكاياته تلك، خاصةً تلك التي كانت برفقة زعيم صيدا المناضل، معروف سعد، فكان أبو محمود شاهدًا حياً على نبض المدينة الثوري.

تلك السنون التي عاشها القرص لم تُقس بـأعوام التقييد، بل بـفيضِ التجارب؛ فما بارح المدينة لحظة، وشهد فيها كل فصول التحول والتحوّل المعيشي والفكري. كانت صيدا في مسرحِ حياته تشتعل، فـالمظاهراتُ تلفُّ شوارعَها كـدواماتِ البحرِ الهائجِ، اعتراضا على الأوضاع المعيشية الصعبة، وللمطالبة بحقوق الصيادين المنهوبة، وتبقى فلسطينُ دوماً قضيةً حاضرةً ومشتعلةً في صدره ووجدان أهل البلد، كالجمرةِ التي لا ينطفئُ أوارها. كان يسيرُ في تلك المسيرات، من ساحة النجمة إلى البوابة الفوقا، وسط الهتافات والشعارات التي تزن الأرض والسماء، يمشي بخطواتٍ ثابتةٍ كـرَجُلٍ يخطُّ مصيرَهُ بحديدِ العزيمة، يحملُ على كتفيهِ القويةِ الزعيمَ والمنضالَ العروبيَّ، وكأنه يحمل أثقالَ القوميةِ كلها، مُعلناً أن هذا الجسدَ الأسمرَ، وإن تقدَّم في السن، إلا أنه لا يعرفُ الانثناء أمام الظلمِ.

تلك السنون التي عاشها القرص لم تُقس بـأعوام التقييد، بل بـفيضِ التجارب

في كل صباح، كان أبو محمود القرص يتحول إلى ساعي بريد الزمن؛ يعبرُ أزقة صيدا القديمة، تلك التي تراكمت عليها نُدوبُ الدهر، يروي تاريخها العميقَ بصمته وحركته، وكأنه يقدّم أطروحةً فلسفيةً صامتةً عن فناء الأشياء وخلود الروح. كان يصلُ إلى قهوة وليد البابا ( بإدارة رضوان) في ساحة ( المير) الأمير، تلك القهوةُ التي هي بمثابةِ رواقٍ فكريٍّ في قلب المدينة، وهناك تتجمهرُ حوله مجموعةٌ من القطط، كـأتباعٍ لراهبٍ زاهدٍ، اعتادت كُلَّ صباحٍ أن يوزع عليها قطعاً من اللحمة الطازجة (جلاميق مختارة بعناية من قصاب الحتّة)، في مشهدٍ إنسانيٍّ يتناغم مع عدالةِ التوزيعِ الكونية. ثم يجلسُ على كرسيه الخشبي الذي “ما زالت في المقهى تحفظ اسمه”، كـالمريدِ الوفيِّ لمحرابه. يرتدي جلباباً بنياً قديماً، يحتسي القهوة المرة على وقع سنفونية الأرجيلة ذات رأس التنباك الوطني، لتصبح الجلسةُ بمثابةِ مجلسِ حِكمةٍ ومسرحِ سردٍ لأحوال صيدا وعمارها.

كانت المدينةُ في عيني أبي محمود القرص معرضاً معمارياً مفتوحاً، حيث تتناغمُ بيوتُها ذات الطابع العثماني والمملوكي

لقد كان سكنه في ذلك الحي القديم، الذي تَشقَّقت جدرانُه بفعلِ الزمنِ وأصابَ الصدءُ أبوابَ معظمِ دكاكينِه، دليلاً على التعلقِ الأبديِّ بالجذور؛ حيث يتجلى الفنُّ في العمارةِ العتيقة، التي تحملُ في طياتها تراثَ صيدا الجميل. كانت المدينةُ في عيني أبي محمود القرص معرضاً معمارياً مفتوحاً، حيث تتناغمُ بيوتُها ذات الطابع العثماني والمملوكي، وتتشابكُ نوافذُها المُعشّقةُ كـأوردةِ قلبٍ واحدٍ. كان يرى في قلعة البحر، التي تقفُ على صخرةٍ متحدةٍ للأمواج، ما يُشبهُ عنادَه الشخصيَّ؛ وحين يخاطبنا عنها، يهمس بوقار: “يا أبا خليل، تلك القلعة ليست حصناً بناه الغزاة، بل هي تجسيدٌ لصبرِنا القديمِ، دفترُ ذكرياتٍ صامدةٍ على ألسنةِ الأمواجِ المُتكسّرةِ تحت قدميها.”

ولم تقتصر علاقة أبي محمود بأهل صيدا على النضال والسرد، بل امتدت إلى العلاجِ والشفاءِ؛ فاشتهرَ في تخفيف الآلام عن أصحابه، لا بعلمِ الطبِ الحديث، بل بـالفطرةِ والحكمةِ العربيةِ القديمةِ، وكأنه أحد دراويشِ الحارةِ الذين يرون بالبصيرةِ ما لا يُرى بالعين. كان مقصداً لأهل البلد، وكان يجمع بين روحِ القائدِ ويدِ الحكيم، في لفتةِ اهتمامٍ أو وصفةٍ عربيةٍ لعلاج آلام المفاصل. كانت وصفته، يا أستاذي، قصيدةً في البساطةِ والفعاليةِ؛ كمية قليلة من زيت الزيتون (بركة الأرض) وبعضاً من قطرات الليمون (حُموضة الحياة)، تُخفقُ بعنايةٍ وتُمسحُ برفقٍ على موضع الألم. كانت يدهُ التي تحملُ المناضلَ سعد، هي نفسها اليدُ التي تمسحُ وجعَ الظهرِ، وتُجبرُ خاطرَ المكسور.

ويغوصُ في تأملاته، وهو يروي عن الخانات كـخان الإفرنج، فيقول: “يا شيخ، الخانُ هو قلبُ صيدا النابضُ بالتجارةِ والترحال؛ رائحةُ التوابل فيه كـموسيقى لا تُسمع، ووجوهُ الغرباءِ تُعلمُنا أن الأرضَ ليست إلا مقصداً ومغادرةً. لقد كنتُ أرى في الخاناتِ روحَ صيدا المنفتحةَ على كلِ الثقافاتِ، والتي علمتنا قيمةَ العملِ والكلمةِ الصادقةِ. يا أبا خليل، الأهمُّ من جبرِ الكسورِ، الذي تعلمناه من الكُتُبِ القديمةِ، هو جبرُ خواطرِ من فقدوا الأملَ في هذه المدينة، فالكتابُ والبحرُ لا يمنحانك أسرارهما إلا إذا غُرت فيهما بصدقٍ كاملٍ لا تراجع فيه.”

الأدبَ الحقيقيَّ يكمُنُ في همساتِ الحارةِ وضجيجِها، وفي صمتِ الكراسي القديمةِ وصوتِ الأرجيلةِ المُنتظمِ

هكذا يظل أبو محمود القرص، بانحناءة ظهره الممزوجة برفع رأسه، نصبًا شامخًا في ذاكرة صيدا، يعبر كل صباح عن عمق تاريخها، وصفاء تراثها الجميل، متفلسفًا في كل خطوة ومقعد وكلمة، بين بحرٍ لا ينام، وسنين عمرٍ لم تبرح هذا الثغر الساحلي. هو بطلٌ محفوظيٌّ بامتياز، لا يعيشُ في قصر، بل في أزقةٍ مهترئةٍ تُنيرها شمسُ الحكمةِ، لا يُتاجرُ بالثروات، بل يُتاجرُ بالحكاياتِ والمعرفةِ الإنسانيةِ الصافيةِ، ليثبت أن الأدبَ الحقيقيَّ يكمُنُ في همساتِ الحارةِ وضجيجِها، وفي صمتِ الكراسي القديمةِ وصوتِ الأرجيلةِ المُنتظمِ كـدقاتِ قلبِ المدينةِ الأمّ.

السابق
أهالي عيتيت يعترضون دورية لليونيفيل جنوباً
التالي
بين النووي الأزمات الداخلية.. الصحف الإيرانية: جدل مفتوح في السياسة والاقتصاد والمجتمع!