حين انتحرت المقاومة بعقلها

مقاتل من حزب الله

لم تمت المقاومة يوم سقط شهيد أو انهار موقع. ماتت يوم قرّر قادتها أن العقل ترف، وأن الولاء أهمّ من الفكرة. يوم تحوّل السلاح من وسيلةٍ إلى خلاصٍ بحدّ ذاته، ومن مشروع تحرير إلى مهنة حكم.

تحت ركام المقاومة
الثنائي الشيعي لم يُهزم عسكريًا فقط، بل هُزم بفكره وعقله. لم يخسر حربًا مع العدوّ المدمّر، بل خسر سلامه مع نفسه وجمهوره. ومنذ تلك اللحظة، دخل في حربٍ دائمة ضدّ أي احتمالٍ للحساب أو النقد. الحرب لم تعد فعلًا عسكريًا بل مزاجًا دائمًا، يبرّر كلّ شيء ويمنع التفكير في أيّ شيء.
البيئة التي صُنعت فيها “أسطورة المقاومة” تعيش اليوم تحت ركامها. الجنوب الذي كان رمز العناد صار كالمحكوم البريء بالإعدام. البقاع الذي صمد صار مختنقًا بالبطالة والتهريب والهجرة. الناس الذين قدّموا أبناءهم دفاعًا عن الوطن، صاروا يبيعون ما تبقّى من حياتهم بحثًا عن عزّةٍ مفقودة. والذين وعدوهم بالنصر الأبدي، لم ينتبهوا أنّ الانتصار بلا عقل هو هزيمة مؤجّلة.

هنا تتجلّى المفارقة بين العقلانية في حماية بيئة المقاومة والمزاجية في توظيفها السياسي. فحين افتعل الثنائي حادثة الروشة لإحراج رئيس الحكومة نواف سلام، كشف مئاتٍ من الشباب المتحمّس، بلا حمايةٍ ولا حساب، أمام عدوٍّ يتفوّق في الإجرام التقني والرصد. عُرضت “زهرة الشباب” على الشاشات وفي الميدان، لا لغايةٍ دفاعيةٍ ولا لضرورةٍ عسكرية، بل كرسالةٍ إعلاميةٍ قصيرة المدى. فهل هذه هي العقلانية التي تتغنّى بها المقاومة؟ أَيُعقَل أن يُكشَف أمن أبناء بيئتها لأجل تسجيل نقطةٍ سياسية ضدّ رئيس الحكومة نواف سلام الذي لم يُحرَج أصلًا؟ تلك ليست مقاومة تُفكّر، بل استعراضٌ يُقام باسمها.

اعادة الاعتبار للعقلانية

في السياسة، كما في الحرب، العقلانية هي الحساب: ماذا نملك؟ ما الذي نستطيع فعله؟ ما الثمن؟ لكنّ الحساب غاب، والقرار صار عاطفة، والموقف غريزة، والسياسة مزاجًا. من دون عقلٍ، تهاوت فكرة الدولة، وضاعت المصلحة العامة، وغرقت الطائفة في بحرٍ من التبريرات. صار الدفاع عن البيئة يعني الدفاع عن زعيمها، وصار الولاء للراية أهمّ من الخبز في البيت.

الثنائي الذي كان يستطيع أن يكون جسرًا نحو دولةٍ عادلة، صار سدًّا يمنعها، ويمنع المغتربين من حقّهم الأدنى في انتخاب نوّابهم. اختزل التشيّع السياسي في بضعة أشخاص، والمجتمع في جمهور، والوطن في خندق. وهكذا، باسم المقاومة، قُتلت المقاومة. وباسم الصمود، جرى إعدام السياسة.

العقلانية ليست ضدّ المقاومة، بل شرطها. لأنّ المقاومة بلا عقل تتحوّل إلى سلطةٍ تلتهم أبناءها. والولاء بلا نقد يصبح عبودية. والحزب الذي لا يُراجع نفسه يُكرّر أخطاءه إلى ما لا نهاية.

من القادر على التفكير؟

اليوم، بعد أن جفّت الأرض تحت أقدام الناس، لم يعد السؤال: من معنا أو ضدّنا؟ بل: من ما زال قادرًا على التفكير؟ من يجرؤ على القول إنّ المأساة لم تأتِ من الخارج، بل من داخلٍ فقدَ حسّه بالواقع؟ من يتذكّر أنّ البشر، لا الشعارات، هم معيار العزّة؟

إنقاذ ما تبقّى لا يكون بخطبةٍ جديدة، ولا بوعود المقاومة الأبدية. يكون بالسياسة، بالعودة إلى العقل، إلى الدولة، إلى فكرةٍ بسيطةٍ تاهت في الزحام: أنّ الوطن يُبنى بالعقل، لا بالغضب.

قرأ أيضا: النظام الإيراني بعد عامين من «7 أكتوبر».. مرحلة جديدة من التعقيد والمفارقات

السابق
بين مؤتمر شرم الشيخ ومؤتمر وادي الحُجير-2: مأزق شيعي يتكرّر بعد قرن
التالي
البيان الختامي لقمة شرم الشيخ للسلام: لحظة مفصلية لإحياء مسار التسوية في الشرق الأوسط