نواف سلام .. المفترى عليه!

نواف سلام

يتعرض الرئيس نواف سلام لحملةٍ ممنهجة وشرسة وغير أخلاقية تُذكِّر بما تعرّض له – من الجهة نفسها – الرئيس الشهيد رفيق الحريري في حياته، كما الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة في فترة تولّيهما المسؤولية، وصولًا إلى “الانقلاب” العسكري على حكومة السنيورة في 7 أيار 2008، والسياسي على حكومة سعد الحريري بداية عام 2011.

المثير في الأمر أنّ الحملات على نواف سلام بدأت حتى قبل أن يتولى المسؤولية، إذ سبق أن طُرح اسمه كمرشح لرئاسة الحكومة بعد ثورة 17 تشرين عدة مرات، فكان الرفض والاتجاه صوب حكومة حسان دياب في المرة الأولى، ونجيب ميقاتي في المرة الثانية بعد إفشال مهمة سعد الحريري الأخيرة في تشكيل الحكومة عام 2021. الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة عن سبب هذا الرفض لرجلٍ يُعتبر قامةً قضائيةً وعلميةً كبيرة، يتمتع بسمعة عالمية نتيجة سيرته ومسيرته الدبلوماسية والقضائية التي لا تشوبها شائبة، سواء سياسية أو قضائية أو أخلاقية.

الدولة المأزومة وصفات النقيض

في بلدٍ كلبنان يعيش أزماتٍ متتالية وحروبًا محلية وإقليمية منذ حوالي نصف قرن، ساهمت بضرب أسس الدولة فيه وهيكليتها وطريقة الحكم حتى بات بلدًا “غير طبيعي” نسبةً لما هو سائد ومعروف في العالم، في بلدٍ كهذا قد يكون من “الطبيعي” أن تكون الصفات التي يتمتع بها رجل كنواف سلام هي “نقطة ضعفه”!

فهذه الصفات هي النقيض تمامًا للصفات والممارسات السائدة التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه اليوم، سواء الممارسات السياسية البعيدة كل البعد عن الالتزام بالدستور والتي كانت أشبه بـ”الزنا السياسي” – إذا صح التعبير – الذي أنجب “دويلة” داخل الدولة، باتت هي الراعي الرسمي للفساد القائم الذي ضرب كل مفاصل الدولة وإداراتها في كل المجالات، فباتت تتحكم عبره بمصير البلد والناس تحت سمع وبصر “موظفين” برتبة وزير أو نائب أو مدير عام.

أو تلك الصفات السائدة التي تعتبر الخارج على القانون والدستور قويًا، والفاسد رجل أعمالٍ ذكيًّا يجيد “تدوير الزوايا”، والظلامي التضليلي إعلاميًا، وغيرها من التصنيفات البائسة التي شكّلت سلسلة من حلقاتٍ تكمل بعضها البعض، فأخرجت البلد من الحياة المدنية الحضارية وأدخلته دوامة الحياة الميليشياوية – المافيوية عبر حروبٍ متتالية تحت شعارات فاسدة وكاذبة هي نتاج طبيعي لكل ما سبق.

حزب الله ونواف سلام: مواجهة من نوع آخر

وهكذا بتنا نرى أنّ المواجهة التي يخوضها حزب الله – بصفته حامي المنظومة – مع الرئيس نواف سلام لا تمر فقط عبر الانتقادات لممارسةٍ سياسية أو إجراءاتٍ اقتصادية واجتماعية يقوم بها نواب الحزب بحكم عملهم ومسؤوليتهم، وهذا حق ديموقراطي تكفله كل القوانين والأعراف، بل تمر كذلك عبر الافتراء السياسي والتهجم الشخصي الممنهج والموجّه.

فقد أطلقوا عليه مجموعةً من “سَفَلة” القوم يرشقونه بتعابير أقل ما يُقال فيها إنها سوقية وتنم عن مستوى متدنٍ من الأخلاق والثقافة السياسية، بالتوازي مع التضليل الذي يمارسونه على بيئتهم عبر اتهامه بالباطل، بحيث ينسبون إليه ما ليس فيه ويحمّلونه وزر قراراتٍ وممارساتٍ لم يكن هو مسؤولًا عنها.

فتارةً يتهمونه بالاستسلام لإسرائيل متناسين أنه ليس هو من وقّع اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، بل حكومتهم وبرعايتهم.

وتارةً أخرى، وعند كل اعتداءٍ صهيوني، يصرخون بخبثٍ وتنمّرٍ وسخرية: “وينييه الدولة؟” وهم بذلك يقصدون نواف سلام، متناسين أن للدولة ثلاثة رؤوس، وأنّ لهم فيها وزراء ونوابًا ومدراء عامين ورؤساء بلدياتٍ يتلقون الأوامر منهم مباشرة، وأن نواف سلام ليس وحده المسؤول.

وتارةً يطالبونه بإعمار ما هدّمته الحرب التي استجلبوها على البلد، ويتناسون أنّ الدولة التي استلموها، أقله لعشرين سنة، هي دولةٌ مفلسة نتيجة سياساتهم، وأنّ نواف سلام – ومن معه – يسعى بسياساته التي يحاربونه بسببها إلى استجلاب الدعم والمساعدات من الخارج، الذي كانوا هم أول من ضرب معول الهدم لعلاقات لبنان معه، سواءً الدول العربية أو غيرها من دول العالم.

أطلقوا عليه مجموعةً من “سَفَلة” القوم يرشقونه بتعابير أقل ما يُقال فيها إنها سوقية وتنم عن مستوى متدنٍ من الأخلاق والثقافة السياسية، بالتوازي مع التضليل الذي يمارسونه على بيئتهم عبر اتهامه بالباطل،

مفارقات العبث والمحاسبة بالمقلوب

ثم تأتي قمة البلاهة والضلال، وذلك عندما يطلبون من نواف سلام أن يزيل في غضون تسعة أشهر آثار ما دمّرته زعاماتهم طيلة ثلاثين عامًا من الحكم، كان منهم عشرون عامًا بالمباشر عبر حكوماتٍ هم فرضوها، وهم الذين صبروا أربعين عامًا على حمل السلاح باسم المقاومة، وما كان في الحقيقة إلا للسلطة.

نراهم اليوم وقد نفد صبرهم، ويحاسبون سلام على تسعة أشهرٍ من الدبلوماسية أمام عدوٍ مجرمٍ مدعومٍ من العالم بأسره، وفي ظروفٍ ضاغطة وصعبة للغاية هم صنعوها نتيجة تفردهم باتخاذ قرار “الإسناد” لغزة.

إنهم يتعاملون مع نواف سلام وكأنه يمتلك الطائرات والأساطيل الحربية ويرفض استخدامها للتحرير، وكأنه كذلك يمتلك “مال قارون” ويرفض إعمار القرى المهدّمة، في الوقت الذي يتبجّحون يوميًا بقوتهم العسكرية وبتعافيهم من النكبة، في حين أن الناس مهجّرة ولاجئة، ومنها من لا يزال يُقتل على الطرقات وفي الحقول.

تأتي قمة البلاهة والضلال، وذلك عندما يطلبون من نواف سلام أن يزيل في غضون تسعة أشهر آثار ما دمّرته زعاماتهم طيلة ثلاثين عامًا من الحكم

منطق جديد لدولةٍ طبيعية

إنّ هذه الممارسات المخالفة لأبسط قواعد المنطق قد حان وقت تغييرها، لأنها وإن كانت قد مكّنتهم في السابق من البلد والناس، إلا أنها في المقابل قد جلبت الكراهية – إن لم نقل الحقد – لدى شريحةٍ واسعة من اللبنانيين باتجاه الشيعة كطائفة بشكلٍ عام، للأسف.

ولأنها اليوم، مع تبدّل الظروف التي هي بالنهاية نتيجة لكل هذه التصرفات الخاطئة، لم تعد تصلح لاستعادة “مجدٍ” أقاموه على أنقاض الدولة وأضاعوه على مذبح مصالح الخارج تحت شعاراتٍ أيديولوجية ودينية غيبية لا علاقة للفقه الشيعي العروبي بها.

ونواف سلام اليوم يمثّل لكثيرٍ من اللبنانيين حلم الدولة الطبيعية بما يختزنه من تاريخ مشرّفٍ وعلمٍ ومنطق، فهو رجل الدولة الذي لن تهز صورته ولن يثنيه عن عمله غلامٌ من هنا وبوقٌ من هناك ومهرّجٌ من هنالك، ما هم في الحقيقة سوى واجهاتٍ يتلطّى وراءها بعض الفاشلين الذين يبكون اليوم كالنساء “مُلكًا” لم يحافظوا عليه كالرجال، لأنه قام على باطل، وما يقوم على باطلٍ فهو بالضرورة باطل.

اقرا ايضا: ترامب يعلن «السلام العظيم»: وقف النار في غزة يدخل التنفيذ… والعين على لبنان

السابق
إحباط مخطط لهجوم «بيجر» ثانٍ وعملية اغتيال بـ«روبوت» خلال ذكرى اغتيال «السيد»
التالي
«حزب الله» وأوهام النصر والتعافي