آن الأوان لإنهاء عهد«الوسيط الشيعي الدائم للغرب في لبنان»: لماذا يجب أن يرحل نبيه برّي؟

نبيه بري

ثلاثة عقود ونيّف ونبيه برّي يمسك بمفاصل النظام الطائفي من بوابة رئاسة مجلس النواب.

روّج كثيرون لصورة نبيه برّي كرجل “توازنات” و”اعتدال”، لكنه في الواقع مهندس التحالف الشيعي بين “أمل” و”حزب الله”، وضامن استمرارية محاصصة عطّلت الدولة وكسرت ظهر اللبنانيين.

هذه ليست مسألة خصومة شخصية، بل حصيلة بنية أعطت رئيس المجلس دور “صانع الملوك” بعد الطائف —من يحدد جدول الأعمال ويقرر متى تنعقد الجلسات وماذا تمرّ وما يُجمَّد.

فهل تُبنى دولة مواطنة على حق النقض الدائم؟

يعرف الأميركيون والدول الغربية والعربية والعجمية هذه الحقيقة جيداً.

لذلك، كلما اندلعت حرب أو فتحت مفاوضات، يطرق مبعوثو واشنطن وباريس والرياض وطهران باب عين التينة.

روّج كثيرون لصورة نبيه برّي كرجل “توازنات” و”اعتدال”، لكنه في الواقع مهندس التحالف الشيعي بين “أمل” و”حزب الله”، وضامن استمرارية محاصصة عطّلت الدولة وكسرت ظهر اللبنانيين

هكذا كان في محطات كثيرة، من جولات الوسيط الأميركي عام 2024 لوقف النار، إلى اعتماد كل تلك الدول برّي كعنوان إلزامي في أي مسار تهدئة.

المشكلة أن هذه “البراغماتية” الخارجية تُبقي الحلقة المفرغة على دورانها: الخارج يريد رقماً واحداً يجيب الهاتف، فيما المواطن يدفع ثمن الاحتكار في السياسة والاقتصاد.

صحيحٌ أن برّي ساهم في إنجاز ترسيم الحدود البحرية عام 2022—اتفاقٌ رأت فيه واشنطن دليلاً على “قدرة الرجل على التلزيم.” لكن منح شهادة “المنفعة” هذه لا يعفي من بعض الأسئلة المهمة:

1. ماذا فعلت سلطة الثلاثة عقود الماضية بفرص الإصلاح، وبحياة الناس، وبالليرة، وبودائعهم؟

2. من الذي أبقى المالية رهينة عرفٍ طائفي صار سلاح تعطيلٍ دائم؟

3. من هو المسؤول عن خسارة لبنان لمليارات الدولارات حصيلة تخلي “الثنائي الشيعي” عن الخط 29؟ هذا الخط البحري الذي كان يضمنه اتفاق 17 أيار 1983 الذي عطّله برّي بطلب مباشر من السوريين.

اليوم، المشهد في حالة تغيّر مستدام.

لدينا رئيس للجمهورية هو جوزيف عون، ولدينا رئيس حكومة هو نواف سلام، وتشكلت حكومة 2025 على وعدٍ بإصلاحات وباستعادة هيبة الدولة وتطبيق القرار 1701.

هذه فرصة نادرة لتفكيك “إقتصاد النفوذ الميليشياوي والبنكرجي” واستعادة الدولة من طبقة مكدسي الغنائم.

لماذا نعيد دائماً إنتاج الحاجة إلى وسيطٍ واحد يتحكم بمفاتيح السلطة الأساسية، فيما مؤسسات الدولة قادرة —إن تحررت— على أن تكون هي الوسيط والحَكَم والمنّفذ؟

ليس الهدف استبدال زعيمٍ بزعيم، بل الهدف الأسمى يكمن في تجديد القيادة الشيعية بمعيارٍ مختلف عبر فعل الآتي:

لماذا نعيد دائماً إنتاج الحاجة إلى وسيطٍ واحد يتحكم بمفاتيح السلطة الأساسية، فيما مؤسسات الدولة قادرة —إن تحررت— على أن تكون هي الوسيط والحَكَم والمنّفذ؟

أولا، الدفع لإستقلالية الشخصية المؤسساتية الشيعية عن التنظيمين المسلحين الشيعيين (حزب الله وحركة أمل)، والالتزام باحتكار الدولة للسلاح، وتطبيق 1701. فهذان التنظيمان يلعبان بالسياسة والعسكر والأمن، وبالتهديد بالعنف، ولهما إرتباطات خارجية وتمويل واقتصاد خارج مالية الدولة اللبنانية.

ثانيا، العمل على بناء برنامج اقتصادي واضح لإعادة هيكلة المصارف وحماية صغار المودعين، ورفع الحماية عن المتلاعبين بالمالية العامة والمضاربين بالدولار على الليرة اللبنانية.

ثالثا، تعزيز الشفافية في إدارة المال العام، ورفض أي “حق طائفي” في الوزارات السيادية، خصوصاً المالية.

رابعا، فصل النيابة عن الزعامة الخدمية، وعن الاقتصاد السياسي للميليشيات المسلحة التي تحكمت لعقود، ولا زالت تتحكم حتى اليوم، برقاب الناس وبأرزاقهم ومصالحهم ومستقبل عوائلهم.

خامسا، إنهاء مجلس الجنوب كإدارة رسمية خارجة عن رقابة سلطة الدولة، والتي أضحت، عبر السنوات الثلاثين الماضية، البقرة الحلوب لنبيه برّي وعائلته وزبانيته.

سيقول المدافعون: “كيف تقولون ذلك، فالرجل ضمانة التفوق الشيعي وحماية حقوق الطائفة في الغابة اللبنانية التي تسكنها الوحوش الطائفية.”

إقرأ أيضا: حزب الله يربك الدولة بانقلابه على «تفاهم صخرة الروشة».. ونتانياهو يلوّح بالسلام

لكن عن أي ضمانة وحماية يتحدث هؤلاء وقد هاجر ولا زال يهاجر عشرات آلاف الشباب الشيعي من الضاحية والجنوب والبقاع إلى أقاصي الأرض بحثا عن مصدر للعيش، بعد أن حوّل الثنائي وحلفاؤه في الطوائف الإخرى الدولة اللبنانية إلى ماكينة عطالة وبطالة؟

وأي حقوق تُصان حين تُختزل الطائفة في محاسيب وأزلام ومصفقين ومفاتيح انتخابية، ويُستعمل الفيتو الشيعي المسلّح لابتزاز الحكومات المتعاقبة وتعطيل سير القوانين والإمعان في تهشيم المؤسسات الدستورية والخدماتية؟

إن كرامة الشيعة —كما سائر اللبنانيين— لا تُصان بوسيطٍ شيعي دائم معتمد من العرب والعجم والغرب يخنق كل فرصة للتغيير الإيجابي، بل تصان كرامة كل اللبنانيين بدولةٍ عادلةٍ قويةٍ تحمي الجميع وتتعامل معهم بالمساواة حسب القوانين المعنية.

لقد آن أوان إنهاء تسلّط (وسلبطة) شخص واحد في كل عملية تفاوض داخلي أو خارجي قد تساعد البلد على النهوض من كبوته الإقتصادية الحادة وتضعه على سكة التعافي والإصلاح.

لقد آن الأوان أن يُسلّم نبيه برّي مفاتيح السلطة التي حملها لمدة 40 سنة ونيّف، لا لشخصٍ من الحلقة ذاتها، أو من التوجه والعقلية المليشياوية ذاتها، بل إلى جيلٍ شيعيّ جديد نظيف الكفّ، يؤمن بالدولة لا بالغلبة، وبالمواطنة لا بالمحاصصة.

إن كرامة الشيعة —كما سائر اللبنانيين— لا تُصان بوسيطٍ شيعي دائم معتمد من العرب والعجم والغرب يخنق كل فرصة للتغيير الإيجابي، بل تصان كرامة كل اللبنانيين بدولةٍ عادلةٍ قويةٍ تحمي الجميع وتتعامل معهم بالمساواة حسب القوانين المعنية

هذا خيارٌ لبناني أولاً وأخيراً؛ ومن أراد من الخارج شريكاً فعليه أن يتعامل مع مؤسساتٍ تستمد شرعيتها من الناس لا من صفقات الظل وتهريب القوانين عبر وضعها في جوارير مجلس النواب وتلك المحاصصة المقيتة التي كان ولا زال بطلها الأوحد نبيه برّي..

إذا كان الخارج، أياً كان، يريد رقماً واحداً ليتصل عليه، فبوسعنا أن نقول له بالدستور، إتصّل بالحكومة اللبنانية مباشرة وبلا مواربة.

 وليكن رئيس مجلسٌ النواب القادم يرأسه شخص نظيف الكف والتاريخ والتجربة قادر على فتح الأبواب للتشريع والرقابة، لا لمنصّات المقايضة، حتى ولو كانت تلك التشريعات تتعارض مع مصالحه الخاصة ومصالح “المعلمين” في الخارج.

هكذا فقط نبدأ بتفكيك منظومة الدولة العميقة، وهكذا فقط تنتهي أسطورة “الوسيط الشيعي الدائم لأميركا والغرب في لبنان”.

السابق
توقيف الشيخ عباس يزبك في مطار بيروت: رسالة ترهيب للمعارضين الشيعة!
التالي
علي لاريجاني في بيروت في تحريض جديد للحزب.. لمواجهة هذه الزيارة والإعتراض عليها