لم أكن قد تجاوزت السادسة حين جلست على أريكة رمادية فقدت سندها تحت وطأة الزمن.
كنت وحيداً في استديو رامز تغمره أنوار خافتة وظلال متفرقة، أواجه للمرة الأولى عدسة مصوّر من آل حوماني، لأخذ صورة فوتوغرافية أسود وأبيض (لزوم أول إخراج قيد يثبت صورتي على صفحة معلومات رسمية عن هويتي الشخصية).
كان ذلك عام 1973 – النبطية.
تلك اللحظة العابرة لم تكن مجرد إجراء إداري يثبت صورتي على ورق، بل كانت بداية وعي مبكر بعبثية القيود التي تفرض على الإنسان ملامح محددة، فيما داخله يفيض بالضحك والرغبة في الانطلاق.
رفعني المصوّر كما يُرفع لوح خشب، أجلسني بوضع جانبي، وضبط رأسي بكفّين قاسيتين كأنهما قيد. كانت رجلاي معلقتين لا تلمسان الأرض، وكنت أشعر أني محكوم بين يديه. عدسته السوداء بدت لي عيناً غريبة تتلصص على براءتي. وما إن حاول أن يثبت صورتي حتى غلبني الضحك، فانهارت الجدية التي أرادها. أعاد الكرّة مرة بعد أخرى، وأنا أقاوم بصوت الضحك الطالع من داخلي. وحين أخيراً ومض الضوء في وجهي كالبرق، كانت الابتسامة قد سبقت القرار، فاستقرت على الورق علامة لا تمحى.
بعد أيام سلّمني والدي ظرفاً صغيراً فيه ست صور. قال: “هذه صورك الشمسية”. لم أفهم يومها معنى التسمية، لكني أدركت أن الصورة حملت شيئاً أكبر من حدودها. فقد احتفظت بوجهي ضاحكاً، لا لأن الموقف كان مضحكاً، بل لأن الحياة نفسها تستحق أن تُستقبل بابتسامة، حتى وسط القيود.
من صورة فردية إلى مرآة جماعية
تلك الذكرى لم تعد مجرد قصة شخصية، بل صارت مرآة لما يعيشه اللبنانيون منذ عقود. ذلك الطفل المعلّق بين الأرض والهواء يشبه أجيالاً كاملة نشأت بلا سند، تبحث عن أرض صلبة فلا تجد سوى مقاعد خشبية باردة في مؤسسات قاسية. ذلك المصوّر الصارم يشبه سلطة لا ترى في الناس إلا وجوهاً مطابقة لأوامرها، تخشى أي حركة أو ابتسامة خارجة عن السياق. وذلك الجهاز المخبأ خلف ستائر سوداء لا يختلف عن مؤسسات تختبئ خلف القوانين لتفرض صوراً مزيفة على الواقع.
كم من اللبنانيين جلسوا على أريكة تشبه أريكتي، كبيرة وباردة، لم تصل أقدامهم إلى أرض الأمان. وكم من ضوء سُلّط على وجوههم لا ليكشف حقيقتهم، بل ليثبت قناعاً أرادته سلطة أو طائفة أو حزب. ومع ذلك ظلّت الضحكة تجد طريقها، كما يتسرب الضوء من شمسية صغيرة في غرفة مظلمة.
هذه الصورة التي انطبعت في طفولتي تفرض اليوم على وعينا أسئلة كبرى. هل نرضى أن نبقى وجوهاً ملتقطة بعدسة سلطة عمياء، أم نعيد رسم ملامحنا نحن، ضاحكين، أحراراً؟ هل نقبل أن تكون حياتنا وثيقة جامدة في دفتر رسمي، أم نصر أن تكون قصيدة حيّة تتسع للنور؟
ابتسامة مقاومة لوطن حرّ
لبنان اليوم في حاجة إلى مؤسسات تربوية تعلّم أبناءه معنى الحرية قبل معنى الحفظ والاستظهار. في حاجة إلى مؤسسات ثقافية تحفظ الذاكرة وتفتح الآفاق، لا أن تبقى مسارح مغلقة أو مكتبات مهجورة. في حاجة إلى مجتمع مدني لا يكتفي بالشعارات بل يبني جسور الثقة بين الناس. في حاجة إلى فن يعبّر عن آلام الناس وآمالهم بدل أن يتحول إلى سلعة تجارية رخيصة. في حاجة إلى إعلام يضيء الحقيقة لا أن يحجبها بستائر المصالح. في حاجة إلى سياسة ترى المواطن وجهاً حيّاً لا مجرد رقم في إحصاء أو صورة على بطاقة.
إن الضحكة التي انطلقت رغماً عن المصوّر يومها لم تكن لحظة طفولية عابرة، بل درساً في المقاومة البسيطة. درس يذكّرنا أن الإنسان يملك دوماً قدرة على الإفلات من القيد بابتسامة. تلك القدرة هي ما يحتاجه لبنان اليوم، حتى يصنع صورته الحقيقية أمام العالم، صورة وطن يبتسم للحياة رغم كل ما يفرض عليه من ظلام وستائر سوداء.
اقرا ايضا: بعد ان خلص زيت ذكائنا الطبيعي.. لبنان يستسقي «الذكاء الاصطناعي»!

