أخي المواطن:
كتبت في الحلقة السّابقة عن الحاجة لأن يقوم المواطن بنبذ الرّوح القبليّة والتزام المواطنة وفقًا للمفاهيم الحضاريّة الحديثة، والخروج من مفاعيل المشاعر الغريزيّة إلى حكم العقل والمنطق. لكن من الضّروري أن تدرك أنّ واقعك القائم حاليًا ليس نتيجة تطوّر طبيعي في حياتنا كلبنانيّين، بل هو نتيجة واقع فُرض عليك منذ الهزيمة العربيّة المدوّية في حرب الأيّام السّتّة في حزيران عام 1967، وطغيان شعور العروبة بعدها.
لبنان قبل الهزيمة: منارة في الشرق
كان لبنان، أخي المواطن، يسير قُدمًا في ستينيّات وأوائل سبعينيّات القرن الماضي وبسرعة كبيرة في مسار التّغيير السّياسي، من الحالة الطّائفيّة القبليّة التي قامت عليها البنية السّياسيّة والاجتماعيّة منذ الاستقلال.
ربّما الذين هم من جيلي يدركون ما كانت عليه البلاد التي أُطلق عليها لقب “سويسرا الشرق”، وكانت من الدّول النّاجحة التي تحوّلت إلى مركز استقطاب سياحي واستثماري وتربوي واستشفائي في المنطقة. لكنّ الهزيمة العربيّة ألقت بظلالها المريرة علينا. كيف حصل ذلك؟
من الهدنة إلى خرق السيادة
شارك لبنان مع الدّول العربيّة في الحرب الفاشلة التي شنّتها ضدّ إسرائيل عام 1948 بعد إعلان الدّولة العبريّة. والتزم لبنان عام 1949 باتّفاق هدنة مع إسرائيل وفقًا لقرار مجلس الأمن، عملًا بالمادّة 40 من الفصل السّابع من الميثاق.
صمد هذا الاتّفاق رغم كلّ التّحوّلات التي حصلت في علاقات الدّول العربيّة لاحقًا مع الكيان الإسرائيلي. لذلك ساد الهدوء والاستقرار على ضفّتَي الحدود بين الجانبين، واستطاع لبنان الانصراف إلى التّنمية والتّقدّم السّريع. تأثّر الشارع اللبناني كثيرًا بالشعارات القوميّة العروبيّة التي رفعها عبد النّاصر في الخمسينيّات، لكنّها لم تتحوّل إلى عنوان للصراع الداخلي إلا بعد حرب 1967.
بضغط من عبد النّاصر، وقّع لبنان مع الفلسطينيّين “اتّفاق القاهرة عام 1969” الذي سمح لهم بممرّ في العرقوب للقيام بعمليّاتهم. كان ذلك خرقًا كبيرًا لاتّفاق الهدنة، بل تسليمًا لقرار الحرب والسّلم إلى طرف خارجي. ومن هنا بدأت مأساة لبنان الكبرى.
النكسة وتداعياتها على لبنان
نجحت إسرائيل في حرب الأيّام السّتّة في حزيران 1967 باحتلال كلّ فلسطين التّاريخيّة، بما في ذلك قطاع غزّة، القدس، والضّفة الغربيّة. توقّفت أنشطة المقاومة الفلسطينيّة داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، فسعت لإيجاد مراكز ومعابر في الدّول العربيّة المجاورة، ومنها لبنان.
لم يقبل لبنان فكرة عسكرة الفلسطينيّين فيه، لكنّ بعض المنظّمات الفلسطينيّة التي اتّخذت مكاتب لها في لبنان تمكّنت من القيام بعمليّات ضدّ إسرائيل في دول أوروبّيّة. ردّت إسرائيل عام 1968 بالهجوم على مطار بيروت وتدمير 13 طائرة مدنيّة، وكان ذلك أوّل خرق لاتّفاق الهدنة.
من اتفاق القاهرة إلى انهيار السيادة
استخدمت المقاومة الفلسطينيّة، ولا سيّما المتحالفة والمدعومة من الحكومة السّوريّة، الحدود اللّبنانيّة مع إسرائيل كمعبر لتنفيذ عمليّات داخل الأراضي الإسرائيليّة. لم تسمح سوريّة للمقاومة باستخدام حدودها، لكنّها شجّعتها على القيام بعمليّات من لبنان، وساعدتها في مواجهة معارضة الحكومة اللّبنانيّة.
حظيت المقاومة الفلسطينيّة بدعم الأحزاب الإسلاميّة واليساريّة في لبنان، ممّا خلق انقسامًا عاموديًّا بين اللّبنانيين: المسيحيّون المعارضون للعمليّات الفلسطينيّة، والمسلمون المؤيّدون لها. هدّدت الحكومات العربيّة، وخاصّة القوميّة الثّوريّة، الحكومة اللبنانيّة بدعم الفلسطينيّين إذا اتّخذت إجراءات زجريّة ضدّهم.
بضغط من عبد النّاصر، وقّع لبنان مع الفلسطينيّين “اتّفاق القاهرة عام 1969” الذي سمح لهم بممرّ في العرقوب للقيام بعمليّاتهم. كان ذلك خرقًا كبيرًا لاتّفاق الهدنة، بل تسليمًا لقرار الحرب والسّلم إلى طرف خارجي. ومن هنا بدأت مأساة لبنان الكبرى.
اليسار وصعود الحركات الأيديولوجيّة
لا يمكن لمن هم من جيلي أن ينسى كيف سادت الأحزاب الحركيّة الحاملة للأفكار الأيديولوجيّة، وهي في الغالب من اليسار، السّاحة وحركت العقول الشّابّة. شاركت أنا نفسي في المظاهرات المطلبيّة لطلّاب الجامعة الوطنيّة، وبإضراب أساتذة المدارس الابتدائيّة حيث كنت مدرّسًا في حينه.
حدث صدام بين الجيش اللّبناني والمقاومة الفلسطينيّة عام 1973، فخرجت مظاهرة كبيرة للحركة الوطنيّة بقيادة كمال جنبلاط، شارك فيها عشرات الألوف. أقلق ذلك اليمين السّياسي ودول الغرب. إذا كانت المظاهرة بهذا الحجم، فهذا يعني أنّ هناك تأييدًا شعبيًّا واسعًا لليسار.
حظيت المقاومة الفلسطينيّة بدعم الأحزاب الإسلاميّة واليساريّة في لبنان، ممّا خلق انقسامًا عاموديًّا بين اللّبنانيين: المسيحيّون المعارضون للعمليّات الفلسطينيّة، والمسلمون المؤيّدون لها.
شعارات العروبة تغلب على الإصلاح الوطني
حدث هذا الأمر في ظلّ انقسام عالمي بسبب الحرب الباردة بين الاتّحاد السّوفياتي والولايات المتّحدة. غلبت على المظاهرة شعارات القوميّة والعروبة وقضيّة فلسطين، أمّا شعارات الإصلاح الدّيمقراطي فكانت خافتة.
لم يكن الغرب قلقًا فقط بسبب إسرائيل، بل أيضًا بسبب الخوف من التمدّد السّوفياتي. لم يقرأ كمال جنبلاط هذا المشهد بدقّة، فانحيازه إلى جانب المقاومة الفلسطينيّة تحت شعار العروبة جعله في مواجهة الغرب وحلفائه العرب.
من الخوف الوجودي إلى الحرب الأهليّة
طغيان المقاومة الفلسطينيّة على السّاحة السّياسيّة وتأييد المسلمين لها بعث خوفًا وجوديًّا عند المسيحيّين الذين كانوا وما زالوا يخشون الطّغيان الإسلامي. قال الشّيخ بيار الجميّل هذا الكلام صراحة أمام ياسر عرفات.
بالنسبة للمسيحيّين، كانت السّيادة الوطنيّة شرطًا للبقاء الحرّ في لبنان وفي الشّرق. تدحرج الوضع إلى حرب أهليّة دمويّة مدمّرة ما زالت مفاعيلها مستمرّة حتّى اليوم.
رغم كلّ ذلك، ما زال البعض يتشدّق بالعروبة بمفهومها القديم. كانت العروبة عنوان صراع أهلي، وما زالت. فهل هذا ما تريده، أخي المواطن؟ هل تفكّر بهذا الأمر عندما تدلي بصوتك؟
أم نحن بحاجة لتغليب شعار “لبنان أوّلًا” كي ننعم بالاستقرار والسّلام؟
اقرا ايضا: اليونيفيل بين مطرقة الانسحاب وسندان الهيمنة: معركة دبلوماسية على جبهة الجنوب

