المقاومة الوطنية..ذاكرة النار: من صيدا إلى جبل صافي

شعلةٌ من وقودٍ بلا توقّف، نارٌ متّقدة ونهرٌ دائم الجري يهدر.

كذلك كنّا هدّارين، شبابٌ صغارٌ ممتلئون قوّةً وقدرةً ووهم ثباتٍ وتحرير. لقد أشعل تحرير صيدا من الاحتلال الاسرائيلي هممنا في شباط عام 1985، فبعد ان احتلت اسرائيل بيروتُ عاصمةٌ اول دولة عربية عام 1982، ضغط المجتمع الدولي والاتحاد السوفييتي والأمم المتحدة لتنسحب منها بعد ايام، كذلك فعلت مجازر صبرا وشاتيلا، فللموتِ صوتٌ ينخرُ ضمير العالم، أو هكذا كان، قبل الطوفان والقتل العمد والجوع والتحريق.

والجبلُ فتنةَ الدروز، والموارنة وقودُ الحرب الأهلية، يقتُلُ بعضنا بعضًا، فتتركنا إسرائيل لنصنع حتفنا، تغسل يديها بدمنا الذي نسفكهُ قبل انسحابها وأبان الانسحاب وبعده.

كان انسحابها من صيدا طعم النصرِ والقدرةِ والفرض، لا سبب لذلك ولا ابتكار إلّا قدرتنا على إصابتها بالجنون. شارع رياض الصلح كان مقتلة للغُزاة، لا دوريّة اسرائيلية تمرُّ بلا خسران، يجوبُ الشارع رجال، ظاهرهم انهم متسكعون، يشاهدون واجهات محلات الملابس، يأكلون عند هزّاع بمطعم الربيع، أو نصف فرّوجٍ عند مطعم البساط، يسار الإشارة بجانب محلات هلال لبيع ألعاب الأطفال، كذلك كان هلال البساط وحيدًا في المدينة يبيع المفرقعات على أنواعها، إلى ألعاب الأطفال الرياضية منها والذكيّة. يجوبون الشارع من البوابة الفوقا إلى ساحة النجمة.

 من جهتنا، كانت القنبلة جاهزة لتصيب نصف المجنزرة أو حتى الجيب المتبختر وسط ازدحام الشارع. أما مسارب الانسحاب فكانت كثيرة؛ من بستانٍ تحوّل لاحقًا إلى موقف عودة، وصولًا إلى شارع الإسكندراني. هناك، يكفي أن يرمي المقاوم قميصه ليعود إلى مكان العملية، متفقدًا عدد قتلى العدو وجرحاه بدقّة المتطفلين. كذلك الأمر في ذلك الزقاق المقابل للتكميلية للبنات، يفصله حائط عن مستشفى حمود، وغيرها من طرق التمويه التي جعلت شارع رياض الصلح مقبرةً للأعداء.

انسحبَ الجيش الاسرائيلي المحتل من صيدا إذعانًا وهروبًا من ضربات مقاومتها، قبل أن تكرّ السبحةَ خلال أشهر قليلة، لينتهي بالاستقرار في المساحة النهائية  المُكنّاة بـ”الشريط الحدودي”، الواقعة جنوب الليطاني، الا ان قواته احتفظت بالطريق النازل من كفرتبنيت إلى النهر، وبقيت قلعةِ الشقيف الرابضة تُراقب جبل الشيخ ويافا والبحر.

ازداد المُقاومون جرأةً وإيمانًا بالنصر القادم خلف الجبل.

جبل صافي… صدمة الدم وخسارة النخبة

في الربع الثاني من العام 1986 نقلَت التلفزيونات مشاهدا لاقتحام موقعًا إسرائيليًّا في جبل صافي. للحقيقة إنّ الصور كانت للانسحاب من الموقع، أو للدقّةِ لراياتِ حزب الله مرفوعةً تحت الموقع لجهة بلدة جباع. لقد أخذت الصور والفيديوات حيّزًا واهتمامًا كبيرين، كذلك لقد تبنّت ما عُرِف لاحقًا باسم المقاومة الإسلاميّة العملية.

الهجومُ والانسحابُ والشهداء، لقد تجاوزَ عددهم الخمسين، إنّه رقمٌ كبيرٌ من الشهداء، قد يربو على نصف عدد النخبةِ من مقاتلينا المنضوين كفصيلٍ في “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانيّة” ونختصرها بـ”جمّول”. لقد جعلتنا تلك العمليّة نفقد هدوءنا، تسرّعنا بطلب الهجومِ على هدفٍ هو موقع مُحصّن للاحتلال، استطلاعنا وتقريرنا يقولُ بإحتمالِ شهيدٍ أو اثنين. لقد رفضتْ قيادتنا تنفيذ الهجومِ لارتفاع احتمال الموت. خطّتنا أن يُهاجم تسعةٌ من نخبتنا ذاك الموقع، أن يحرس ثلاثةٌ طريق الإمدادِ ويقتحمه الستّة الباقون.

نتيجة لضغوطنا وهياجنا بسبب استشعارِ حلول مقاومة إسلاميّة مكان مقاومتنا الوطنية، يتصدر اسمها وتصتاد الوهجَ، خصوصا اننا كنّا نُطلِقُ أسماء شهدائنا مثل كمال جنبلاط أو معروف سعد على عمليات نوعيّة لتمويه الطرف ولعلّة السرّيةِ والكتمانِ في العمل المقاوم.

لقاء أبو خالد… بين الرؤية الوطنية والطموح الإسلامي

يومها جاءنا قائدنا ابو خالد، أمين عام منظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم، وحضر شخصيًّا إلى موقعنا، لقد وضع الرفاقُ مكتبًا وكرسيًّا للضيف الجليل، بجانبه جلس على كرسيٍّ بلا مكتب قائدنا بلال، وضع مرفقهُ على مكتب محسن وأمسكَ أسفل ذقنه بكفّهِ وتنصّتَ فقط.

(محسن ابراهيم)

لقد أشاد رفيقنا محسن بمشروعنا الوطني وبأفقه الرحب وقدرته على استيعاب الوطن بمساحته وتعدّديته وتناقضاته، كما انتقد ضيق أفق المقاومة الإسلامية \ المرتبط بدولة الإسلام في إيران، وكذلك بأجندة يرتبط من خلالها بالنظام السوري، وكُنّا على عداءٍ معهُ ومتفقين مع أبي عمّار المُلاحق وقتذاك من النظام السوري وأتباعه اللبنانيين.

وبدماثة أبي خالد، كذلك لانبهارنا به دون أن نراه أو نسمعه قبلاً، إلّا في خطبةٍ ألقاها بعد تحرير صيدا في سينما غرانادا حين أسلمنا المدينةَ لمصطفى سعد وتنظيمه الناصري. لقد كان غطريسًا ستالينيَّ الوجهِ، لا يماثل تواضع الشيوعيين ولا يبتسمُ بلا سبب، رغم ذلك كنّا نؤلّهه لكثرةِ ما أحببناه وتناقلنا أطراف حكاياتٍ عن بداهته وخطابته واستثنائيّة القائد فيه.

صار يعبّرُ لنا من خلف ذاك المكتب الخشبيّ عن شوقه لجعل لبنان ساحة، ودخول الساحة بالملعب الدولي، مُقلّدًا ما كان يقوله السيد محمد حسين فضل الله، الذي كان حينها يوصف بانه المُرشد الروحي لحزب الله.

وقت ذاك لم يكن غسان بن جدّو قد أسّسَ قناةَ الميادين ولا أُطيحَ الشيخ صبحي الطفيلي، وقتها كان الشيخ صبحي طفيلي أمينًا عامًّا لحزب الله مهمته خطف تيري ويت كي تبادله إيران بأسلحة متطورة، تطلقها على عدوها العراقِ الذي كانت تخوض ضده حرب الخليج الأولى.

اقرا ايضا: بإسم المواطن الحرّ: متى ننتهي من أوهام الشعارات ونرفع شعار الوطن أوّلًا؟

السابق
نتنياهو: نضرب حزب الله في لبنان كلما حاول رفع رأسه
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة في 1 أيلول 2025