ناصر بوربيرار يُعدّ حالة نادرة في الفكر الإيراني، جمعت بين نقد عميق للتاريخ الرسمي الفارسي، وبين مواقف جذرية وصادمة من التاريخ الإسلامي كما يرويه النظام، ومن النزعة القومية الفارسية المعادية للعرب.
ناصر پورپیرار كاتب ومؤرخ ومفكر إيراني 1940- 2013)، كان في شبابه عضوا في الحزب الشيوعي الإيراني (توده)، ثم اقترب من الإسلاميين، ثم انفصل عنهم جميعاً.
اشتهر بسلسلة كتب مثيرة للجدل بعنوان: “تأملات حول تاريخ إيران” (تأملاتی در تاریخ ایران)، وصلت إلى أكثر من 12 جزءا.
عرف بآرائه الراديكالية المناهضة للقومية الفارسية والتاريخ الأخميني والساساني، وبنقده الجذري لمعاداة العرب في الخطاب الإيراني.
أبرز أفكاره وأهميته:
رفض التاريخ الإمبراطوري الفارسي، فهو يقول إن ما يُقدَّم للإيرانيين من تاريخ “مجيد” عن الأخمينيين والفرس هو أسطورة اخترعتها النخبة القومية العنصرية، خاصة في عهد الشاه، وامتد تأثيرها حتى داخل جمهورية الملالي.
“لا يوجد شيء اسمه حضارة فارسية عظمى، بل هي مجرد خرافات سياسية لتبرير كراهية العرب وتحويلهم إلى شماعة دائمة”.
انتقد المجتمع الإيراني الذي ما زال يكرّر شتائم عنصرية ضد العرب في الحياة اليومية والأدب
انتقد اعداء العنصري تجاه العرب بشدة في الخطاب الإيراني القومي الذي يعتبر العرب “غزاة همجا دمروا الحضارة”، وقال إن هذه النظرة عنصرية ثقافية وخيانة للحقيقة التاريخية، في سياق دفاعه عن الدور الحضاري للعرب في الإسلام. كما انتقد المجتمع الإيراني الذي ما زال يكرّر شتائم عنصرية ضد العرب في الحياة اليومية والأدب.
لكنه لم يكن مدافعا عن الإسلام السياسي عموماً ولا عن التاريخ الذي تروّج له إيران اليوم.
شكك في الرواية التاريخية الإسلامية التقليدية، خصوصا في كتب الطبري وابن هشام. كما اتهم الخلفاء الأمويين والعباسيين بإفراغ الإسلام من مضمونه الثوري، وأحيانا دخل في مواقف راديكالية حتى تجاه بعض الصحابة.
أي أنه رفض الاستغلالين معا: استغلال الماضي الفارسي من الشاه، واستغلال الماضي الإسلامي من الملالي.
ناصر بوربيرار كان فكرا قاطعا، سعى إلى تفكيك الأساطير الكبرى التي بنتها الدولة الإيرانية، سواء الشاهنشاهية أو الخمينية.
شكّل نقد بوربيرار للنزعة الشعوبية المعادية للعرب حجر الزاوية في أعماله
وهو من القلائل الذين قالوا صراحة: “العداء للعرب في إيران ليس صدفة، بل هو أساس أيديولوجيا الدولة.”
أفكاره تساعدنا على فهم أن ما يظهر على السطح في إيران (العداء للعرب، تمجيد الماضي الإمبراطوري، احتكار الإسلام السياسي) ليس الحقيقة الكاملة، بل هو نتيجة صراع طويل ومعقّد على الهوية، لا يزال مستمرا حتى اليوم.
بعيدًا عن هذا الطرح المثير للجدل، شكّل نقد بوربيرار للنزعة الشعوبية المعادية للعرب حجر الزاوية في أعماله.
فقد رأى أن النظام الإيراني، في استمرارية مع عقلية الشاه، حافظ على خطاب يحمّل العرب مسؤولية “تدمير الحضارة الفارسية”، وهو ما اعتبره إعادة إنتاج عنصرية مغلّفة بالوطنية. وقد سعى بوربيرار إلى قلب المعادلة، بالقول إن العرب لم يغزوا إيران، بل ساهموا في إنقاذها من فساد النظام الساساني، وإن الإسلام، كدين عالمي، هو الذي أعاد لإيران بُعدها الإنساني.
انه مثير للجدل، لأنه هدم أسسا راسخة في وعي الإيرانيين عن هويتهم القومية. ووضع العرب في موضع الاحترام في زمنٍ يُقدَّم فيه العرب كأعداء دائمين للفرس. لأنه لم يُهادن النظام، ولا المعارضة القومية، ولا الإسلاميين، بل كان مفكرا خارج الاصطفافات.
تكمن أهميته في انه يمثل تيارا صغيرا لكنه حيويّ داخل إيران، يُشكّك في الرواية الرسمية عن “الهوية الوطنية”.
يُعيد ربط الثقافة الإيرانية بالإسلام العربي الأول لا الفارسي الشعوبي.
يُشكّل نقطة التقاء بين مثقفين عرب يطالبون بإصلاح العلاقة مع إيران، ومثقفين إيرانيين يناهضون لنظام.
أفكاره تُستخدم اليوم من البعض في نقد النخبة الفارسية المتعالية على شعوب إيران الأخرى (البلوش، العرب، الأذريين…).
مع ذلك، لم يسلم بوربيرار من التناقضات. فقد بالغ إلى حدّ نفي وجود الحضارات الإيرانية القديمة بالكامل، وهو ما يتعارض مع الأدلة الأثرية واللغوية والنقوش المعروفة. كما أن كتاباته افتقرت إلى المنهج العلمي الصارم، وغلب عليها الطابع الخطابي والانفعالي، مما أدّى إلى تهميشها في الأوساط الأكاديمية، رغم صداها الكبير بين المهتمين بالنقد السياسي والثقافي.
من اللافت أن بوربيرار لا ينتمي إلى الخطاب الليبرالي الإيراني، ولا إلى الخطاب القومي أو الديني، بل أقرب ما يكون إلى نموذج “المثقف الراديكالي المؤمن”، الذي يرى في الإسلام الأصيل مشروعا تحرريا عالميا، وفي القومية الفارسية انحرافا عن هذا المسار. وهنا يلتقي جزئًا مع مفكرين مثل شريعتي وعبد الكريم سروش، لكن بروح أكثر عدائية واستفزازا.
أهمية بوربيرار لا تكمن في دقة طرحه بقدر ما تكمن في زعزعته للثوابت، وطرحه أسئلة مؤلمة حول الهوية والتاريخ والذات. لقد كان أشبه بـ”أداة صدمة” أجبرت كثيرين داخل إيران على إعادة النظر في مفاهيم مألوفة عن الذات والآخر، عن العرب والإسلام، وعن العلاقة بين السلطة والسرد التاريخي.
فبوربيرار، رغم إخفاقاته، يظل شاهدا على أزمة هوية أعمق تعصف بالمجتمع الإيراني منذ قرون
اليوم، يُعاد استدعاء إرث بوربيرار في سياق الانقسامات الكبرى داخل إيران، وفي ظل النزاعات الإقليمية، حيث تُستخدم الهويات كسلاح سياسي. ومن المهم أن نميّز بين القيمة النقدية لأعماله، وبين المبالغات والخرافات التي تسربت إلى خطابه. فبوربيرار، رغم إخفاقاته، يظل شاهدا على أزمة هوية أعمق تعصف بالمجتمع الإيراني منذ قرون، ولا تزال تبحث عن لغة جديدة للصدق والمصالحة.

