من يستمع إلى خطاب الشيخ نعيم قاسم اليوم، يظن أن الحكومة اللبنانية ارتكبت خيانة عظمى، وأنه وحده ومن معه يملكون مفاتيح النجاة للبنان. الحقيقة أوضح وأقسى: أنتم انهزمتم، والمسرحية التي تلعبونها منذ سنوات انتهى عرضها، لكنكم ترفضون مغادرة المسرح. أما الديماغوجيا التي تحملها خطاباتكم فتكشفها الحقائق التالية:
قرار 5 آب كشف المستور
القرار الذي تصفونه بـ“الخطيئة” هو في الواقع أول خطوة جدية لإعادة القرار العسكري إلى الدولة. أنتم غاضبون لأن الدولة تجرأت لأول مرة على فتح الملف الذي تعتبرونه ملكية خاصة لكم. المسألة ليست حماية لبنان، بل حماية امتياز السلاح الذي حولتموه من وسيلة للتحرير إلى أداة هيمنة على الداخل، كما حوّلتموه إلى أداة أساسية لتأمين استمراريتكم في السلطة. لم يعد الهدف تحرير الأرض، بل السيطرة على القرار، ونهب البلد تحت غطاء “المقاومة”.
- الهزيمة ميدانية وسياسية
أنتم تعرفون قبل غيركم أن معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” سقطت في الميدان قبل أن تسقط على الورق. إسرائيل لم تعد تحسب حسابًا لسلاحكم كما في السابق، وإيران التي تمسكون بسلاحكم باسمها تفاوض على ملفاتها في فيينا ومسقط وبيروت، ولا تسأل عنكم إلا بقدر ما أنتم ورقة ضغط. كل معارككم الأخيرة انتهت بخسائر فادحة، لم تجلب للبنان إلا المزيد من العزلة والانهيار. والمهزوم في الميدان لا يفرض شروطه على أحد، بل يقبل بشروط المنتصر أو ينسحب بكرامة، لكنكم تصرون على المكابرة وإنكار الواقع.
“المسألة ليست حماية لبنان، بل حماية امتياز السلاح الذي حولتموه من وسيلة للتحرير إلى أداة هيمنة على الداخل، كما حوّلتموه إلى أداة أساسية لتأمين استمراريتكم في السلطة”.
- التهديد بالحرب الأهلية
عندما تقولون “سنخوضها معركة كربلائية إذا لزم الأمر”، أنتم تقولون للبنانيين: إذا حاولتم سحب السلاح، سنحرق البلد. هذه ليست بطولة ولا تضحية، بل ابتزاز دموي مرفوض. كربلاء كانت مواجهة مع الظلم، أما أنتم فتهددون بها شركاءكم في الوطن، وتلوّحون بحرب أهلية جديدة لحماية امتيازاتكم. منطقكم بات واضحًا: إمّا الخضوع لسلطتكم، أو مواجهة الخراب.
- شرعية الدم أم شرعية الدولة؟
تقولون إن الشرعية تأخذونها من “الدماء والتحرير” لا من الحكومة. لكن من أعطاكم حق أن تحتكروا الدماء؟ آلاف الشهداء من المدنيين والجيش والقوى الأمنية دفعوا حياتهم دفاعًا عن لبنان، ولم يفرضوا سلاحًا موازيًا على الدولة، ولم يحوّلوا دماءهم إلى مبرر للهيمنة على القرار الوطني. شرعية السلاح في أي بلد تأتي من الشعب عبر مؤسساته، لا من تنظيم مسلح يفرض إرادته بالقوة.
- بيئتكم ليست كلها معكم
ادعاؤكم أن “الغالبية مع المقاومة” هو كذبة تردّدونها لإسكات أي صوت معارض من داخل بيئتكم. الحقيقة أن آلاف العائلات الشيعية اليوم تريد الخروج من منطق الحرب الدائمة، وتعرف أن السلاح صار عبئًا عليها قبل غيرها. الهجرة، البطالة، الفقر، وانعدام الأمان… هذه نتائج سياساتكم، لا “الانتصارات” التي تتحدثون عنها.
- الحل يبدأ بالاعتراف بالهزيمة
لن يبدأ أي حل طالما أنتم ترفضون الاعتراف أنكم انهزمتم. أنتم لم تعودوا تملكون القدرة على فرض شروطكم لا في الميدان ولا في السياسة. كل ما تفعلونه اليوم هو رفع الصوت لإخفاء حقيقة أنكم خسرتم القدرة على فرض إرادتكم. يوم تقولون للبنانيين: نعم، انتهت اللعبة، وحان وقت إعادة السلاح إلى الدولة، سيفتح باب النقاش في استراتيجية دفاعية حقيقية، وسيتوقف النزيف الذي تسببتم به. لكن طالما أنكم تحلمون بفرض شروط المهزوم على المنتصر، فلن تحصدوا إلا مزيدًا من الخسائر والانهيار.
“ادعاؤكم أن “الغالبية مع المقاومة” هو كذبة تردّدونها لإسكات أي صوت معارض من داخل بيئتكم. الحقيقة أن آلاف العائلات الشيعية اليوم تريد الخروج من منطق الحرب الدائمة، وتعرف أن السلاح صار عبئًا عليها قبل غيرها”.
في النهاية يا شيخ نعيم، كفى بيع أوهام. المقاومة التي لا ترى الواقع تتحول إلى عبء، والسلاح الذي يحمى الهزيمة يتحول إلى لعنة. قرار 5 آب ليس مؤامرة، بل بداية استعادة الدولة المخطوفة. وإذا كان عندكم ذرة شجاعة، اعترفوا بالهزيمة وادخلوا في مشروع وطني بدل تهديد لبنان بحرب أهلية جديدة. المهزوم لا يمكنه أن يفرض شروطه، ومن يصر على ذلك سيُفرض عليه الاستسلام، عاجلًا أو آجلًا.
اقرأ أيضا: زيارة علي لاريجاني إلى بيروت.. بين التوضيح الدبلوماسي وثوابت النفوذ الإيراني

