اتخذت الحكومة اللبنانية أخيرًا قرارات تاريخية، أولها سحب سلاح «حزب الله» قبل نهاية السنة، وتكليف الجيش وضع خطة تطبيقية قبل نهاية آب الجاري؛ وثانيها خطوتها الرمزية بتغيير اسم “جادة حافظ الأسد” إلى “جادة زياد الرحباني”، وهو أكثر من قرار حكومي إداري، إنه فعل رمزي وسياسي وثقافي، يمسّ الذاكرة الجماعية للبنانيين، ويكتسب أهمية كبرى في حاضر ومستقبل لبنان واللبنانيين.
الذاكرة والهوية
وإذا كانت الذاكرة لا تُحفَظ، بل تُبنى ويُعاد تنقيحها، وفقًا للمؤرخ جاك لوغوف، فالذاكرة الجماعية ليست مجرد تراكم للأحداث الماضية، بل هي عملية إعادة بناء دائمة تخضع للتأويل والصراعات والرهانات السياسية. وبالتالي، فإن تسمية الشوارع والساحات ليست بريئة، بل هي أدوات في كتابة الذاكرة أو “حرب الذاكرة” بين جماعات متعددة.
إن تغيير اسم الجادة محاولة لإعادة كتابة رمزية للحاضر عبر تصحيح أو محو أثر رمزي ماضوي:
ارتبط اسم حافظ الأسد بفترة هيمن فيها النظام السوري على القرار اللبناني، وترك بصماته العنيفة والمؤلمة على المجتمع اللبناني.
أما زياد الرحباني، فبرمزيته الفنية والفكرية، يمثل مسارًا لبنانيًا مستقلًا، ناقدًا، غير قابل للاختزال في ولاءات سلطوية.
إن تسمية شارع باسم زياد الرحباني ليس تكريمًا لفنان فقط، بل رسالة حول ما نريده أن يبقى في ذاكرتنا الجمعية: الفن، النقد، الحرية، السخرية، التعددية، وربما الأمل. واستعادة لبنان.
إنه قرار رمزي بامتياز، يلامس أحد أعمق الأسئلة التي تهمّ الشعوب: من يكتب الذاكرة؟ ومن يحق له أن يحتكرها أو ينقّحها أو يصحّحها؟
في بلدٍ لم يُحسم فيه بعد تاريخ الحرب، ولم يُحدَّد بعد موقع الشهداء من الجلادين، تكتسب أسماء الشوارع والميادين والتماثيل قيمة سياسية وثقافية هائلة. إنها ليست فقط أدوات لدلالة جغرافية، بل أيضًا “أماكن ذاكرة”، بتعبير المؤرخ الفرنسي بيير نورا، الذي رأى أن المجتمعات، حين تفقد يقينها بتاريخها الحيّ، تلجأ إلى تثبيت الذاكرة في الأماكن، وتخوض عبرها صراعات رمزية لا تقلّ ضراوة عن تلك الدائرة في السياسة أو الإعلام.
فالذاكرة حقل صراع: كل مرة نعيد فيها تسمية مكان، نحن نشارك في صوغ الحاضر والمستقبل، عبر مراجعة الماضي.
إن القرار بتغيير اسم الجادة هو تصحيح متأخر لذاكرة مشوّهة. حافظ الأسد، الذي ارتبط اسمه بمرحلة الاحتلال السوري للبنان، لا يمثل بالطبع رمزًا وطنيًا جامعًا، بل هو، في نظر معظم اللبنانيين، مرادف للقمع والوصاية والانقسام. أن يُزال اسمه اليوم عن شارع من شوارع العاصمة، هو فعل تحرّر رمزي من إرث ثقيل، يفتح الباب لسؤال أكبر: لماذا صمتنا كل هذا الوقت؟ وكيف يُسمح لرموز غير لبنانية، بل مناقضة لمفهوم السيادة، بأن تحفر أسماءها على طرقاتنا وأحيائنا وذاكرتنا؟
في بلدٍ لم يُحسم فيه بعد تاريخ الحرب، ولم يُحدَّد بعد موقع الشهداء من الجلادين، تكتسب أسماء الشوارع والميادين والتماثيل قيمة سياسية وثقافية هائلة.
ذاكرة بديلة وصوت متحرّر
في المقابل، لا يخلو اختيار اسم زياد الرحباني من حمولة رمزية هو الآخر. فزياد ليس مجرد فنان لبناني لامع، بل هو صوت ساخر، ناقد، منحاز للناس، لا للسلطة.
هو ابن المدرسة الرحبانية التي غنّت للبنان الحلم، وللقرى الخضراء، وللمقهورين تحت ثقل الأنظمة والطبقات. لكنه أيضًا، ابن هذه البلاد الحائرة الممزقة، العابرة للمحاور دون أن تستقرّ في محور.
إن هذا التحول في تسمية شارع قد يبدو تفصيلًا بسيطًا، لكنه في الواقع يشير إلى إعادة فتح ملف الذاكرة الوطنية، وإلى أن اللبنانيين باتوا يدركون شيئًا فشيئًا أهمية تحرير الذاكرة من التواطؤ، ومن النسيان المتعمّد، ومن تشويه التاريخ الوطني.
هل يكفي تغيير اسم شارع لتطهير الذاكرة؟
يشدّد جاك لوغوف على أن التاريخ ليس سردًا للوقائع فحسب، بل هو اختيار لما يُقال وما يُسكت عنه، لما يُخلَّد وما يُمحى.
والذاكرة الجماعية، وفق هذه المدرسة، ليست شيئًا جامدًا، بل هي حقل متحوّل يُعاد تشكيله وفقًا لموازين القوى والرغبات الجمعية. وما فعله مجلس الوزراء اللبناني، دون أن يدري ربما، هو المشاركة في هذا الصراع على المعنى، ومحاولة نادرة للقول إن للناس الحق في أن يُعيدوا النظر في شوارعهم وتواريخهم.
هل يكفي أن نبدّل اسم شارع، ونصمت عن بقية الشوارع التي ما زالت تمجّد أسماء ارتبطت بالعنف، أو بالطائفية، أو بالاحتلالات؟
أم أن هذا القرار يجب أن يكون خطوة أولى في مسار أوسع، يبدأ بتنقيح حقيقي للذاكرة الوطنية: في المناهج، في الإعلام، في الأرشيفات، وفي وجدان الأجيال الجديدة التي لا تعرف من الحرب شيئًا، لكنها ترث تبعاتها كاملة؟
إن الذاكرة، كما يقول بول ريكور، ليست فقط تذكّرًا، بل مسؤولية أخلاقية. ومن هذه الزاوية، فإن أي عمل يهدف إلى تصحيح مسارات الذاكرة هو أيضًا عمل عدالة متأخرة.
هل يكفي أن نبدّل اسم شارع، ونصمت عن بقية الشوارع التي ما زالت تمجّد أسماء ارتبطت بالعنف، أو بالطائفية، أو بالاحتلالات؟
وعدالة الذاكرة، في بلد مثل لبنان، لا تقلّ أهمية عن عدالة القضاء أو عدالة السياسة.
ختامًا، لعلنا نتفاءل بأن يصبح هذا القرار النادر بداية لا نهاية. بداية في مسار تحرير الذاكرة، وتطهير التاريخ من شوائب السلطة، والسماح للفن، والثقافة، والتنوع، بأن تأخذ جميعها مكانها المستحق في جغرافيا الحياة اللبنانية.
اقرأ ايضا: قرار حصر السلاح بيد الدولة: قراءة في موقفي حزب الله وحركة أمل

