الى زياد رحباني…

حارث سليمان


أن تكون امير التفرد الساخر فتلك موهبة، دابت على تجديدها في كل منعطف او حدث او مرحلة، وأن تتربع كملك متوج على عرش عبقري حزين فهذه مهارة نادرة ونعمة مرارتها بطعم لعنة سيزيف، و ان تبقى طوال عمرك كناسك مشاغب فهي مفارقة مضنية، صمدت فيها حتى اعيا اصرارك جسدك ومملكة حواسك ونبضك…
يوم وداعك، لبسوا ثيابهم، وتأنّقوا، وجاؤوا يحملون نعشك إلى مثواك الأخير.
مضوا خلفك، كأنهم يشيّعونك، لكن الحقيقة أنهم كانوا يشيّعون أنفسهم، يشيّعون الوهم الذي فضحته، والكذب الذي مزقته،
والأقنعة التي كسّرتها واحدة تلو الأخرى.. فلم يبقَ لهم سوى أن يقفوا على حافّة موتك، ليتأكدوا أنك فعلاً غادرت.

أنتَ الذي أتعبتَ أهل هذا البلد، وأقلقتهم. لا لأنك ثائر، بل لأنك صادق. لا لأنك تهاجم، بل لأنك ترى وتستشرف.
كنت مرآتنا القاسية. تُخرج خيباتنا من أدراجها، وتعرضها للعلن، تكشف نفاقنا وتصوره عاريا قبيحا، وتحوّله الى نكتة، تفضح هشاشتنا، وتسخر من عظَمتنا الكاذبة،
وتُضحكنا على أنفسنا، قبل أن نذرف دمعة على سيرة وطن جعلناه تافها رغم زعمنا اننا نحبه.

كنت الرجل الذي قرّر أن يقول كل ما لا يُقال، وأن يعزف كل ما لم يُعزف، وأن يكتب، لا بل يخترع، لغة تشبه الشارع، لكنه شارع من غرائب وشواذات وجمال، شارعٌ رخو بالشتائم، موشوم بالحقيقة، ومطرز بالحب والملل والسياسة والكسل والعاطفة والقهر والولاء والبهدلة اليومية، لكنه يتوهج تحت يديك، ويصير شِعرًا او فنا او عبثا وموسيقى.

زياد.. أخذت صوت فيروز إلى مكان لم يعرفه أحد. حرّرتَه من صحبة الملائكة ورتابة المهابة

في الموسيقى، تمردت على مدرسة رحبانية كنت ابنها، لم تكتفِ بالوراثة، بل أعلنت انشقاقا بهيا عنها وأعدتَ ترتيب النغمة، خضتَ في السلم الموسيقي كما يخوض عرّاف في طلاسمه، فزاوجت بين من لم يقرنه احد بقرين مغاير؛ وجمعتَ نغم سيد درويش مع بلوز ملوني اميركا، وكسرتَهما مع جاز نيويورك، وشاكسْتَهما بإيقاع شوارع بيروت وانطلياس، ثمّ خبزتَ العجين على نار ساخنة من التجريب، فخرج شيء لا يشبه أحدًا إلا أنت.
لم تكن النغمة عندك زخرفة، بل موقف. واللحن ليس راحةً، بل تحدٍ. كانت موسيقاك تمشي على الحدّ القاطع بين نبض القلب وعصبويات العقل وتُسمعُ نغمات تتهادى كحفيف الروح…
بين الضحك والبكاء، أغنيات
تُؤلفها كما يؤلف صعلوك صَلاتَه الأولى بعد الخطيئة، موسيقى تتلوى، تعرج، تخون القاعدة،
ثم تعود فتطعنها ابتكارا، وتخصبها جمالًا.

أخذت صوت فيروز إلى مكان لم يعرفه أحد. حرّرتَه من صحبة الملائكة ورتابة المهابة وعلياء التسامي، وأسكنته شجن امرأة تحبّ وتخون وتشتاق وتتذكّر وتغنّي لحبيب لن يعود.
جعلتَها تغني من مقهى، من درج، من خط تماس، من شباك يطل على حيّ فقير، جعلتها تغنّي لنا نحن،
لا للوطن المجرّد، ولا لبلد مرتجى
بل لناس الاحياء والقرى، وللمكسورين فيها.

أما المسرح، فكان مملكتك السرية الفريدة، تؤلفه كما يؤلف النبي رسالته، وتعجن الشخصيات من طين هذا الشعب : الرجل المهجوس بذعره الاقلاوي، والمواطن الخاضع حتى الهلوسة لكل سلطة محتملة، العسكري الراضي المستبد، الزوجة الثائرة، الرفيق الحزبي الكذّاب، المثقف المنفصل عن الواقع،
و”اللي مش زابطة معو”، السمسار عديم الاخلاق والقيم، صاحب المهنة والحرفة المخادع والمتقلب…

لغتك؟ لغة الزقاق، لكنها ليست لغة سوقية، بل شاعرية بملح الحياة. قلبت بها المسرح من فضاء مقدّس إلى غرفة جلوس لبنانية، ومرآة لهفواتنا، حيث يحضر فيها الله والدين والسياسة والجنس والكسل والمقاومة والخيانة في آن واحد.

أحب فلسطين لا كشعار، بل كحقيقة انسانية وقضية تحرر وطني، وكجرح دائم

كنت تكتب على المسرح وجع وطن، وتقرأ واقع البلد واحداثه كما يقرأ العرّاف كفّ عجوز على شفير هاوية، تستشرف الحرب، وتراها وهي تتسلل إلينا من شقوق عصبياتنا القبلية، حتى حسب جمهورك ان مسرحياتك ليست عروضًا فنية، بل نبوءات حقيقية.
“سهرية”
“فيلم أميركي طويل”،
“نزل السرور”،
“بالنسبة لبكرا شو”،
“شي فاشل”
“بخصوص الكرامة والشعب العنيد”،
كل واحدة منها كانت ضربة على رأس الزمن، محاولة لقول المستحيل قبل أن يقع، أو قول الممكن الذي نخجل منه.
كان زياد منحازًا في السياسة، نعم،
لا تحزبا لزعيم ولكن التزاما بقضايا، كان مع من لا يُسمع صوت لهم، ولا يَراهم الإعلام،
مع الذين لا يسكنون القصور، ولا تنصفهم العدالة.
أحب فلسطين لا كشعار، بل كحقيقة انسانية وقضية تحرر وطني، وكجرح دائم، وكان يرى في الجنوب المرابط على حافة الاخطار والمغامرة والتحديات، قضيته ورأس اهتماماته.

لم ينخرط، بل انحاز. لم يصطف، بل أشار بإصبعه : هذا صحيح، وهذا خطأ. وكانت جرأته تكلفه العزلة، وكان لا يمانع. كان متنسكًا علمانيًا، قديسًا يشتم، لكنه لا يساوم.
لذلك تنازعوا على امتلاكه بعد ان وجد كل لبناني او عربي مئات الاسباب ليعلن محبة زياد، وفي نفس الوقت عشرات اسباب اخرى لاعلان خصومة معه.

على مدى العمر كنت صاحيا وناقدا وكاشفا، منفردا ومنشقا شاملا عن رتابة الانتماء وانتظام القطيع، كنت ابن الضحك الحزين وصانعه

مَن يجرؤ على إعلان موتك يازياد!؟
أنت الذي كتبت على جدار العالم كل هذه الضحكات الجارحة،
وغنّيت لنا كأنك تعرف أن لا أحد غيرك سيقول ما يجب قوله.
وداعًا زياد، على مدى العمر كنت صاحيا وناقدا وكاشفا، منفردا ومنشقا شاملا عن رتابة الانتماء وانتظام القطيع، كنت ابن الضحك الحزين وصانعه، و راهب الزواريب، الذي جعل من الحارة فلسفة، ومن الشتيمة رسالة، ومن النغمة موقفًا، ومن الحياة جملة موسيقية لا تنتهي…
لم تهادن احدا، ولم تفعل الا مايحلو لك، او كل ما إعتبرته جميلا و حقيقيا.

السابق
نجاحات ملهمة في نتائج الترمينال: الجنوب يتفوّق… وأبطال رغم الجراح يحققون المراتب الأولى!
التالي
اتصال ليلي بين جنبلاط وغوتيريش… ماذا دار حول استقرار سوريا ولبنان؟