القدر هو الأقدر على السخرية يا زياد

غسان صليبي

وكأن زياد الرحباني
اعتنق السخرية
نمطَ حياة،
نطق بسخرية
مسرَحَ السخرية
وكتب ولحّن السخرية
بعبقرية مذهلة.

شارلي شابلن
كتب مرة
انه عندما تضيق بك الحياة
تسخر منها او تفلسفها.

زياد لجأ الى السخرية باكراً
او على الاقل
منذ أن رحنا نتعرف إليه
بعد “سهرية” و”نزل السرور”.

سخر
من الشخصيات العامة
من البلاد
من العادات والتقاليد
من الكلمات المستخدمة
من النظام الرأسمالي
وما يفعله بالبشر،
وكانت سخريته احتجاجاً
على كل ما سخر منه.

لكني لا أعرف
اذا كان يسخر من نفسه أيضاً،
ذلك ان زياد كان شيوعياً
بالمعنى الإيديولوجي للكلمة،
والإيديولوجيا
قلما تتسامح مع السخرية
لأنها جدية وعنيدة وعابسة،
ولأن الايديولوجيا
اية ايديولوجيا،
تحمل من التناقضات
في علاقتها بالواقع
ما يحوّلها بسهولة
الى موضوع سخرية.

في مطلع شبابه
أراد زياد ان يكون كتائبياً
وهو ابن بكفيا،
أخبر اباه
ب “انه يريد ان يدافع عن الوطن”،
فنهره ابوه ومنعه قائلاً له
“…اختك عإخت هالوطن”.

غير أن عاصي
كان في هذه الإثناء
يخترع وطناً متخيّلاً
في مسرحياته وفي أغاني فيروز،
ما اعتبره زياد “شي فاشل”
في إحدى مسرحياته،
بعد أن لم يجد
في هذا الوطن المتخيّل
سوى الارزة
متسائلاً بسخرية
“غيرا شو عنا يا شريك؟”

لكن على خطى ابيه
ولو ضده،
اخترع زياد بدوره وطناً متخيلا
مستعيرا من الشيوعية
أفكارها واحلامها،
وكأن البلاد أصبحت فجأة
دولة صناعية تتصارع فيها الطبقات
ولم تعد الطائفية متغلغلة
بالبرغل والعدس
كما اكتشف وهو يهرب
من “الشرقية” الى “الغربية”
أثناء الحرب.

في مواجهة الشعب “العنيد”
الذي سخر منه زياد،
والذي لم يكن على ما يبدو
متقبلاً للشيوعية
لا بل نابذاً لها
متقهقراً برشاقة لافتة
من الطائفية الى المذهبية،
اقترح في إحدى المقابلات التلفزيونية
وكحل للأزمة اللبنانية
ان يتم القضاء على الاربعة ملايين لبناني،
في تماهٍ راح يتعاظم مع الستالينية،
جعلته يرى في “الضابط” العسكري
بطلا لمسرحياته
وفي حسن نصرالله
بديلا عن تشي غيفارا.

الخيارات الايديولوجية
المتناقضة في الظاهر
بين الاب وابيه،
سرعان ما سخرت من تناقضاتها
أغاني الام،
فأستعاد زياد أغاني ابيه
واعطاها لحناً آخراً
محتفظا بالصوت الواحد الاحد،
صوت فيروز.

مع ذلك
بقيت للابن كلماته الخاصة
وعبقريته المتميزة،
التي غنّتها الام أيضاً
بما يرضي الابن
واسلوبه المتمايز عن الاب،
والأقرب الى المزاج الشعبي
الذي حاول زياد طيلة حياته
التعبير عنه بعفوية نادرة ومبدعة،
جعلت من شعبه يتوحد استثنائياً
وهو يغني أغانيه
ويستخدم تعابيره
كقراءة مشتركة للواقع.

سخرية القدر يا زياد
والقدر هو الاقدر على السخرية،
ان شعبك الذي يأكل الطائفية
مع البرغل والعدس،
ولا شيء عنده سوى الأرزة
يفتخر بها،
لا يعرف ان يأكل او أن يسهر
او أن يقود سيارته
الا وهو يردد أغانيك
بفرح
لا توفّره
الا السخرية
من الألم.

السابق
المبعوث الأميركي للبنان: لا مصداقية للدولة ما دام السلاح خارج يدها!
التالي
بالفيديو: حادث مروّع في رالي لبنان.. سيارة متسابق عُماني تطير في الهواء وتصطدم بالأشجار