وفاة زياد الرحباني… رحيل صوت الغضب والحنين في وجدان لبنان

Ziad Rahbani Smoking

رحل عن عالمنا اليوم الفنان اللبناني الكبير زياد الرحباني. أطفأ زياد الرحباني سيجارته الأخيرة… ورحل بصمت يشبه موسيقاه، خلفه ضجيج وطنٍ لم يفهمه كما فهمه هو.

ترك وراءه إرثًا فنيًا فريدًا ووجعًا في القلب لا يُشبه سوى موسيقاه. توفي زياد بعد مسيرة حافلة بالتجريب، التمرد، والصدق، بعد أن صنع لنفسه مكانة لا ينافسه فيها أحد في المشهد الثقافي اللبناني والعربي. لم يكن مجرد ابن فيروز، بل كان هو نفسه صوتًا صارخًا في وجه الحرب، واللاعدالة، والفراغ الذي خلّفه الوطن في قلوب محبيه.

النشأة: الموسيقى في الحليب

ولد زياد عاصي الرحباني في 1 كانون الثاني 1956 في بلدة أنطلياس، كطفلٍ ينتمي إلى أكثر البيوت الفنية أثرًا في تاريخ لبنان. والده عاصي الرحباني أحد أعمدة الموسيقى اللبنانية، ووالدته فيروز، الصوت الذي تغنّى به الصباح العربي لعقود.

في هذا البيت، لم يكن الفن خيارًا بل لغة، والموسيقى لم تكن مهنة بل تنفسًا. منذ صغره، أبدى زياد قدرة استثنائية على التأليف والتلحين، ليُفاجئ الجميع بأول عمل موسيقي قدمه لوالدته وهو لا يزال مراهقًا.

تمرد المسرح وسخرية السياسة

انطلق زياد مبكرًا في فضاء المسرح، لكن بخلاف عائلته التي تمسّكت بالشاعرية والرمزيات، ذهب هو نحو المباشر السياسي، الساخر، واللاذع. في أعمال مثل “نزل السرور” و“بالنسبة لبكرا شو؟” و“فيلم أميركي طويل”، شتم زياد الحرب، وانتقد الزعامات، وتوجّه إلى جمهور يعاني مثله، لا جمهور يصفّق فقط.

كان المسرح عند زياد خندقًا فكريًا، ساحة اشتباك لغوي وموسيقي، يختلط فيها الضحك بالمرارة، والنقد بالحب، والحلم بالفجيعة. لغته كانت الشارع، والموسيقى كانت الجاز، والهدف: أن يكون الفن أداة وعي لا ترف.

الحب، الحرب، الموسيقى

خلال الحرب الأهلية اللبنانية، بقي زياد في بيروت، متحديًا الانقسامات الطائفية، مستمرًا في إنتاج أعماله، ومنتقلًا للعيش في الجانب الغربي من المدينة بعد مجازر تل الزعتر. كان يحمل همّ المواطن العادي، ويعبّر عن يأسه من الطبقة السياسية المتكررة.

ورغم سوداوية الواقع، لم يتخلّ زياد عن الموسيقى. بل راح يجددها، يمزج الجاز بالتراث، ويكتب لفيروز أغانٍ خالدة مثل كيفك إنت؟، بكتب اسمك يا حبيبي، إيه في أمل، لتغدو تلك الألحان عزاءً حزينًا وراقيًا لكل من فقد شيئًا في الحرب.

زياد الإنسان: الشيوعي العاطفي

لم يكن زياد يومًا فنانًا محايدًا. كان مناصرًا صريحًا للحزب الشيوعي اللبناني، وانتقد النظام الطائفي بحدّة. لكنه في الوقت نفسه، كان هشًا، شاعريًا، متناقضًا. يقول ما لا يُقال، ويحب ما لا يُحب، ويتصرف كما لو أن الفن يسبق كل الحسابات.

تصريحاته الجريئة، مواقفه العفوية، وظهوره النادر، كلّها أسّست لصورة “المثقف الغاضب”، الذي لا يُمكن توقعه، لكنه في عمقه، لا يريد سوى وطن يستحق الفن الذي يصنعه.

الحفلات الأخيرة… والعزلة المختارة

في العقود الأخيرة، انسحب زياد من المسرح، ليكتفي بالحفلات الموسيقية والتسجيلات. قدّم عروضًا مبهرة في “بيت الدين”، وفي دار الأوبرا بالجامعة الأميركية في بيروت، وأطلق تسجيلات مع فنانين شبان، مؤكدًا أن الفن لا يتقادم إذا صدق.

لكن خلف الأضواء، ظل زياد مختبئًا خل بيانو وحيد، خلف نكتة متمردة، أو خلف أغنية جديدة لفيروز لا يسمعها أحد.

زياد الرحباني… أيقونة وطن

إن زياد الرحباني ليس مجرد ملحن، كاتب، أو مسرحي. هو صوت الرفض الجميل، ووجدان الغضب اللبناني الراقي. لم يعش على مجد والده، ولم يتفيّأ ظل والدته، بل صار مدرسة مستقلة في الفن والفكر والجرأة.

كل أغنية من أغانيه، وكل مشهد من مسرحياته، كانت اعتراف حبّ لهذا الوطن الموجوع. لم يرضَ زياد بأن يكون مجرد “فنان مشهور”، بل اختار أن يكون مواطنًا مبدعًا، يغني ليقول: نحن نستحق أفضل.

في زمن الوجع المتكرر، تبقى أعمال زياد الرحباني صالحة لكل الأجيال — موسيقى تتنفس، كلمات توقظ، وضحكة تحمل وراءها ألف دمعة.

في وداعه، لا نقول وداعًا… بل نقول: صوتك باقٍ، ونحن لا نزال ننتظر “بكرا شو؟”.

السابق
الكتل الحارة مستمرة وتشتد اليوم وغدا.. والحرارة فوق معدلاتها الموسمية
التالي
في أربعين قادة الحرس الثوري.. خامنئي: خسائرنا ثقيلة وإسرائيل لم تحقق هدفها