تغيب قضية مزارع شبعا أوقاتًا لتعود إلى الواجهة مجددًا، ويعود الجدل حول ما إذا كانت أراضٍ لبنانية أم أراضٍ سورية. وحول هذا الموضوع، نشر الصديق الدكتور فؤاد الديراني تعليقًا على صفحته قال فيه: “إن والد فيروز في مسرحية هالة والملك أنكر أنها ابنته، علّ الملك يتزوجها وتعيش بسعادة”. وأضاف في تعليقه: “إن البعض يفضل إنكار لبنانية مزارع شبعا، ليس لتكون سعيدة إذ لا سعادة تحت احتلال، إنما كي يعيشوا هم سعداء لأنهم يظنون أن التفريط بالحقوق لنيل الرضا من المجانين والمتغطرسين الذين يحكمون بهذا العالم”.
خلال الأعوام الماضية، كتبتُ مرتين عن لبنانية مزارع شبعا، معتمدًا على متابعة سياسية لمحادثات جرت بين السلطتين اللبنانية والسورية حول الموضوع عام 1965.
لكن اليوم أعود لأكتب استنادًا إلى مضمون دراسة قانونية أعدّتها ابنة شبعا المحامية ملاك دعكور.
تاريخ مزارع شبعا
تقع مزارع شبعا في الجزء الجنوب الشرقي من منطقة العرقوب، وتبلغ مساحتها نحو 36 كلم²، وتضم 15 مزرعة هي: مغر شبعا، زبدين، قفوة، رمثا، برختا التحتا، برختا الفوقا، مراح الملول، فشكول، خلة غزالة، رويسة القرن، جورة العقارب، الربعة، بيت البراق، كفر دورة، وبسطرة، وهي المزرعة التي استحدثها المهجرون من المزارع الأربعة عشر التي احتلها الإسرائيليون.
تشير الدراسة إلى أنه لم يتم احتلال مزارع شبعا خلال حرب حزيران 1967، والتي استمرت من الخامس من حزيران 1967 إلى الحادي عشر منه. ولم يكن في المزارع أية مواقع عسكرية لبنانية أو سورية.
بعد احتلال الجولان والاتفاق على وقف إطلاق النار، وتحديدًا بعد 15 حزيران 1967، بدأت الاعتداءات الإسرائيلية على المزارع وتهجير الأهالي واحتلال المزارع خلال ثماني مراحل:
المرحلة الأولى: صباح 15 حزيران، اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي ست مزارع، وجمعت قوات الاحتلال الأهالي في مزرعة فشكول وأخضعتهم للتعذيب. حصلت مواجهات مع الاحتلال أدت إلى استشهاد المواطن شحادة أحمد موسى من أهالي مزرعة جورة العقارب، وإصابة 10 أشخاص بجروح وتهجير الأهالي من المزارع التي تم احتلالها.
المرحلة الثانية: بتاريخ 20 حزيران، احتلت إسرائيل ثلاث مزارع واعتقلت العشرات من الأهالي وصادرت المحاصيل والمواشي.
المرحلة الثالثة: بدأت في 25 حزيران، حين اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما تبقى من مزارع في المنطقة المذكورة وهجّرت أهاليها.
المرحلة الرابعة: عند الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم 26 حزيران 1967، فجّرت قوات الاحتلال جميع المنازل والآبار وزرائب المواشي في كل المزارع.
المرحلة الخامسة: في آب 1967، أحرقت قوات الاحتلال الحقول والبساتين وأجزاء واسعة من الغابات، وعبثت بمقام مشهد الطير.
المرحلة السادسة: في صيف 1972، أقامت قوات الاحتلال الأسلاك الشائكة حول المزارع وزرعت الألغام في المناطق الأخرى، ما أودى بحياة العشرات وجرح المئات من الأهالي، ونفوق الآلاف من المواشي، وبدأت بإنشاء المراصد العسكرية على التلال.
المرحلة السابعة: في العام 1985، بدأت قوات الاحتلال بالتحضير لإقامة مستوطنتين ليهود الفلاشا في مزرعة رويسة القرن وزبدين، لكن تدخل أمين عام الأمم المتحدة أفشل المخطط.
المرحلة الثامنة: في نيسان 1989، احتلت إسرائيل مزرعة بسطرة، وهدمت المنازل وأبعدت الأهالي، واستمر احتلالها لغاية 25 أيار 2000.
قرارات دولية وحقائق ميدانية
على الرغم من كل هذه المعلومات، فإن الحكومات اللبنانية المتعاقبة ما تزال متكتمة عما حصل في مزارع شبعا بعد عدوان حزيران 1967.
اعتمادًا على هذه الوقائع، فإن مزارع شبعا ليست جزءًا من القرار 242 الصادر بتاريخ 22 تشرين الأول 1967، الذي طالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها خلال حرب الأيام الستة.
كما أن المزارع لا تخضع للقرار 338 الصادر بتاريخ 22 تشرين الأول 1973، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 242.
لم يكن لبنان طرفًا في حرب حزيران 1967، وبدأت إسرائيل باحتلال المزارع بعد وقف إطلاق النار في 11 حزيران. وخلال حرب 1973، لم يكن لبنان طرفًا فيها أيضًا، وبالتالي لم يخضع للقرار 338.
لكن عام 1978، ونتيجة احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية، صدر القرار الدولي رقم 425 الذي نص على انسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
ترسيم الخط الأزرق… ورفض الوقائع
إثر انسحاب العدو الإسرائيلي في 25 أيار 2000 من الأراضي اللبنانية، واجهت اللجنة الدولية، التي شُكّلت للتحقق من الانسحاب، صعوبات جمّة بسبب عدم ترسيم الحدود الدولية السورية اللبنانية.
قدّمت السلطات اللبنانية وثائق ومستندات تثبت أن منطقة مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية، ووافقت سورية على ذلك، إلا أن إسرائيل أصرت على أنها احتلت المزارع قبل عام 1978، وبالتالي فإنها تخضع للقرار 242.
وجاء رأي لجنة الأمم المتحدة بما يدعم موقف العدو الإسرائيلي. ولما كانت مهمة اللجنة الدولية مراقبة تنفيذ القرار 425، فإن عملها لم يشمل مزارع شبعا، ورسمت الخط الأزرق ليضم منطقة مزارع شبعا إلى الأراضي السورية المحتلة.
وبعد 30 آب 2000، احتدم الجدل القانوني والسياسي حول مزارع شبعا، وخصوصًا أن اللجنة الدولية رسمت الخط الأزرق حول مزارع شبعا بشكل متقطع للدلالة على أنه خط مؤقت.
قدّمت السلطات اللبنانية وثائق ومستندات تثبت أن منطقة مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية، ووافقت سورية على ذلك، إلا أن إسرائيل أصرت على أنها احتلت المزارع قبل عام 1978، وبالتالي فإنها تخضع للقرار 242
دلائل السيادة اللبنانية على شبعا
إن مزارع شبعا كانت تحت السيادة اللبنانية وقت حصول القرار 318 عام 1920، الذي اعتبر أن مزارع شبعا جزء من لبنان.
لذلك فإن السيادة على مزارع شبعا ثابتة للبنان. ومن أبرز مظاهر السيادة:
- سندات الملكية من قبل الحكومة اللبنانية
- جباية الضرائب من سكان المزارع
- تطبيق القوانين اللبنانية وخضوعها للقضاء اللبناني
- منح رخص البناء من قبل الحكومة اللبنانية
- محاضر لجان ترسيم الحدود التي تشكّلت في الأعوام 1934 و1961 و1963، وكلها تؤكد أن مزارع شبعا هي جزء من الأراضي اللبنانية.
- المذكرة التي وجهتها الحكومة السورية إلى الحكومة اللبنانية بتاريخ 29 أيلول 1946، وذلك ردًا على مذكرة وجهتها الحكومة اللبنانية إثر إصدار السلطات السورية بعض الخرائط التي وضعت مزارع شبعا داخل الأراضي السورية. وقد جاء في المذكرة السورية أن ما حصل هو “خطأ فني بحت”، وقد استدعى هذا الأمر تشكيل لجنة مختلطة عام 1949 برئاسة وزير الدفاع اللبناني آنذاك الأمير مجيد أرسلان، واتفق أعضاء اللجنة على أن مزارع شبعا جزء من لبنان.
كل هذه الوقائع والإثباتات تشكّل سلاحًا بيد السلطة دفاعًا عن حقوق لبنان التاريخية.
إقرأ أيضا: لماذا لن يسلّم حزب الله سلاحه..وما الذي قد يفعله بدلًا من ذلك؟

