توقفت حرب الأيام الـ12 في حزيران 2025 – تشبّهًا بحرب الأيام الـ6 سيئة الذكر في حزيران 1967 – ما بين إسرائيل وإيران، وانتهت – هل انتهت فعلاً؟ – بتسديدة “تشتيتية” إيرانية – إذا صحّ التعبير – على قاعدة “العديد” القطرية، تلاها أخرى أكثر تصويبًا تجاه بئر السبع، في محاولة للقول إن الضربة الأخيرة كانت إيرانية، وذلك ردًّا على “ضربة الجزاء” الأميركية المركّزة والصائبة – على ما يبدو – باتجاه الهدف، وهو المواقع النووية الإيرانية. ليخرج بعدها “الحَكَم المُضارِب” الرئيس الأميركي دونالد ترامب معلنًا انتهاء الجولة على طريقة “الأمر لي”، ما سمح لطرفي النزاع بادعاء النصر والاحتفال به كلٌّ على طريقته.
بعيدًا عن الادعاءات والبروباغندا المعتادة في مثل هذه الظروف، خاصة لنظامين مأزومين في خياراتهما – بغض النظر عن نسبة التأزّم لكل منهما داخليًّا وإقليميًّا – فإن هذه الجولة، وفي محاولة قراءة هادئة وباردة بعد صمت طبول الحرب الساخنة، يبدو أنها، وككل حرب، خلّفت وراءها آثارًا عسكرية وسياسية وأمنية، ستكون بلا شكّ محل تقييم ودراسة في مقبل الأيام لدى كل الأطراف، بانتظار – ربما – الجولة المقبلة أو الاتفاق السياسي، وذلك بحسب نتائج تقييم كل طرف لتلك الآثار وما ستتركه من تداعيات على موقعه ومشروعه وخططه المستقبلية.
التفوّق العسكري الإسرائيلي مقابل الشلل الإيراني
على المستوى العسكري والأمني بدا واضحًا التفوّق الإسرائيلي الذي، وإن كان متوقعًا، إلا أنه بدا مع ذلك مفاجئًا، خاصة مع الضربة الأولى – كضربة حزيران 1967 ضد مصر – التي أطاحت بعدد كبير من العلماء النوويين وقيادات الحرس الثوري والجيش الإيرانيين، والتي كانت في جزء منها تُدار من الداخل الإيراني عبر المسيّرات ومُشغّليها من العملاء.
لهذا، فان ما تقدم أسهم بطبيعة الحال في إظهار إيران وكأنها “نمر من ورق” ومكشوفة أمنيًّا بدرجة كبيرة وخطيرة، كما أدّى إلى شلّ وتعطيل قدراتها الدفاعية والهجومية في الساعات الأولى من الهجوم بشكل كبير أيضًا، قبل أن تستعيد توازنها بعد مضي أكثر من 15 ساعة من بدء الهجوم الصهيوني وبداية ردّها، وما تلا هذا الرد من هجمات إسرائيلية مضادة ومكثفة كمًّا ونوعًا ومساحة جغرافية.
بدا أن الإسرائيلي يخوض الحرب استراتيجيًّا ويركّز قصفه بشكل كبير على المواقع الاستراتيجية والعسكرية من مطارات وقواعد ومنصّات صواريخ وأماكن تخزين الصواريخ، فضلًا بالطبع عن المواقع النووية التي تكفّلت الولايات المتحدة بضربتها الأخيرة في تدميرها.
بينما خاضها الإيراني تكتيكيًّا، عبر اعتماده كمَّ القصف العشوائي للمدن والمباني بالصواريخ أكثر من اعتماده النوع، وذلك في محاولة منه للتغلب على الخطوط الدفاعية الجوية من “القبة الحديدية” و”ثاد” وغيرها، وفي محاولة لإيقاع أكبر قدر ممكن من الإصابات والخسائر في صفوف الإسرائيليين، لعلمه بمدى حساسية هذا الأمر لديهم، لتنتهي الجولة، ومع الضربة الأميركية، إلى تكبّد إيران خسائر فادحة في بنيتها النووية والعسكرية والأمنية التي كلّفتها مئات المليارات من الدولارات، والتي ثابرت على بنائها طيلة الأعوام الـ36 الماضية، وهي سنوات ما بعد انتهاء حربها مع العراق، والتي لم تخض بعدها حربًا أخرى بالمباشر، بل اعتمدت سياسة “الأذرع” في المنطقة لتنفيذ مشروعها السياسي.
وبذلك تكون إيران قد خرجت من هذه الجولة بنتيجة أقرب إلى الهزيمة – وإن لم تكن كاملة – منها إلى الانتصار الذي أعلنته، بالرغم من كسرها حاجز الخوف من ضرب إسرائيل، ما أسقط الحصانة عن هذه الأخيرة، خاصة وأنها قد لا تكون قادرة على تعويض خسائرها بسهولة إذا ما استمرّ الانسداد السياسي في ملفها مع واشنطن، وبالتالي استمرار العقوبات عليها، إن لم يتم تشديدها أكثر، في حال لم يتم الاتفاق في ظل حكم إدارة دونالد ترامب، الذي وإن يكن متشددًا في الملف النووي، إلا أنه يبدو وكأنه يريد منح فرصة للنظام لتعويم نفسه، إذا ما استطاع – هو والنظام – إلى ذلك سبيلًا.
بذلك تكون إيران قد خرجت من هذه الجولة بنتيجة أقرب إلى الهزيمة – وإن لم تكن كاملة – منها إلى الانتصار الذي أعلنته، بالرغم من كسرها حاجز الخوف من ضرب إسرائيل، ما أسقط الحصانة عن هذه الأخيرة
أفول المشروع الإيراني وصعود العصر الأميركي – الإسرائيلي
في المقابل، فإن إسرائيل التي أعلنت هي أيضًا الانتصار، فإنها، ورغم النجاحات التي حققتها والخسائر التي ألحقتها بغريمتها، خاصة كسرها هي الأخرى الحاجز النفسي – إذا صحّ التعبير – الذي كان قائمًا تجاه الهجوم على إيران، والذي بات يُنظر بعده لهذه الأخيرة كغيرها من الساحات، إلا أنها خرجت مهشّمة من المنازلة، بطريقة أفقدتها – كما أسلفنا – “الحصانة من الضرر” التي كانت تتمتع بها على مدى الخمسين سنة الماضية، وجعلتها ومواطنيها، وللمرة الأولى في تاريخها، تبدو في متناول صواريخ خصومها، بالرغم من كل دفاعاتها الجوية، وهو وضع لم تعتد عليه، خاصة وأنها الحرب الأولى التي تخوضها من دولة لدولة منذ آخر حروبها مع العرب عام 1973 من القرن الماضي.
على المستوى السياسي، يبدو – مرحليًّا على الأقل – بأنه، وكما كانت حرب الأيام الستة بين العرب وإسرائيل بداية أفول نجم الناصرية والقومية العربية، فإن حرب الأيام الـ12 بين إيران وإسرائيل، والتي هي امتداد لمعركة “طوفان الأقصى” بطريقة أو بأخرى، والمستمرة منذ حوالي 20 شهرًا، قد تكون بداية أفول نجم الخمينية و”الصحوة الإسلامية” التي أعلنتها إيران عقب ثورتها وقيام الجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي.
فبعد معارك غزة ولبنان، وسقوط النظام السوري، والضربات في العراق واليمن، حيث أذرع إيران الطويلة والمتعددة التي كُسرت، ها هي إيران اليوم تُضطر لتجرّع الكأس التي جهدت طوال السنين الماضية لإبعادها عن نفسها، وهي كأس الحرب على أراضيها وفي مدنها، والعودة إلى داخل حدودها، في خسارة لمجهود أكثر من 45 عامًا من العمل المضني، الذي لا يمكن تعويضه بسهولة في ظل الخسائر المتراكمة.
في المقابل، فإن الوضع بالنسبة لإسرائيل يبدو أكثر ملاءمة وراحة في ظل الإنجازات الميدانية، خاصة في سوريا ولبنان، التي قد تُترجم – ولو بالإرغام – إنجازات سياسية عبر اتفاقات سلام وتطبيع، كما يجري الحديث اليوم عنه مع سوريا ولبنان، وما قد يستتبعه من استكمال “الاتفاق الإبراهيمي” مع الدول العربية، وبشكل خاص مع المملكة العربية السعودية، بعد إيجاد شكل من أشكال التسوية للوضع الفلسطيني، المثقل بالتعقيدات والمثخن بجراح معركة “طوفان الأقصى”.
بعد معارك غزة ولبنان، وسقوط النظام السوري، والضربات في العراق واليمن، حيث أذرع إيران الطويلة والمتعددة التي كُسرت، ها هي إيران اليوم تُضطر لتجرّع الكأس التي جهدت طوال السنين الماضية لإبعادها عن نفسها، وهي كأس الحرب على أراضيها
ما يُدخل المنطقة عمليًّا في العصر الأميركي – الإسرائيلي، ليحل بذلك “اتفاق أبراهام” محل اتفاقية “سايكس – بيكو”، التي أُعلنت قبل أكثر من قرن، فأقامت دولًا وقسّمت المنطقة ما بين الحلفاء الذين ورثوا الإمبراطورية العثمانية، قبل أن تعود – المنطقة – وتدخل في الصراعات بعد الحرب العالمية الثانية، مع أفول قوى وبروز قوى جديدة على الساحة الدولية.
فهل يستقر الوضع اليوم في ظل أحادية القرار الأميركي في العالم؟ أم أن هناك قوى جديدة قد تظهر، أو حدثًا عالميًّا ما قد يقلب الأمور رأسًا على عقب؟ ولكن أين؟ ومتى؟ أسئلة كثيرة قد لا تكون الإجابات عليها سهلة أو متوفّرة، أقله في المدى المنظور.
اقرا ايضا: لبنان أمام مفترق السابع من تموز: واشنطن تضغط بالسلاح والاقتصاد… وبري يُشعل الجلسة التشريعية

