بينما كان اللبنانيون يفرّون من نيران الطائرات الإسرائيلية، ويشيّعون شهداءهم من صور إلى بعلبك، كانت يدٌ أخرى تتهيّأ لطعنهم من الخلف.
ليست يدَ عميلٍ ولا متعاونٍ، بل يدٌ تعرف جيدًا متى تلبس ثوب “البيئة الحاضنة”، ومتى تختبئ خلف راية “المقاومة”.
ماريا فواز، زوجة شقيق النائب علي حسن خليل، لم تكن تقاتل على جبهة، ولا تهتف في مهرجان، بل كانت تعمل بصمت في ميدان مختلف: ميدان الدواء، حيث المرضى فريسة سهلة، وحيث الدولة غائبة، والرقابة مستأنسة.
بين الصواريخ والسرطان
في وقتٍ كانت فيه المستشفيات تضيق بجرحى القصف، والبلد يغلي على وقع العدوان، استُكملت عملية توزيع الموت بوسائل أخرى.
ماريا، المتَّهمة بتورّطها في واحدة من أخطر فضائح الأدوية الفاسدة في لبنان، لم تكن “شاهدة زور” على انهيار القطاع الصحي، بل جزءًا فاعلًا في تخريب ثقة الناس بما تبقّى من الدولة.
ولأنّ الفساد لا يتحرّك وحده، فإنّ القضيّة تتشابك سريعًا مع نفوذ العائلة، وصلات القربى، والعلاقة الوثيقة بـ”محور سياسي” يمتلك سلطة الأمن كما يمتلك سلطة الصمت.
الهروب إلى جورجيا… لا إلى العدالة
فور انكشاف الملف، كانت ماريا قد غادرت لبنان إلى جورجيا.
ليست هاربة من ساحة معركة، بل من ساحة محكمة.
تركت خلفها ملفات معلّقة، وأدوية مشكوك في سلامتها، وملايين الدولارات التي يُعتقَد أنّها حصيلة صفقات غير مشروعة.
في بلدٍ طبيعي، تُشكّل هذه القضيّة زلزالًا سياسيًّا، لكن في لبنان لا زلزال.
لأنّ “المقاومة” حوّلت نفسها من عنوان مواجهة مع العدوّ، إلى مظلّة لدفن أيّ مساءلة.
فكلّ نقد، ولو كان في ملفّ دواء مسروق، يُصنَّف تلقائيًّا في خانة “العمالة”، ويُقمع باسم “الكرامة الوطنية”.
ليست الأولى… ولن تكون الأخيرة.
ماريا ليست أوّل من يلوذ بحماية نفوذ الثنائي.
قبلها، تورّط شقيق وزير في حزب الله في تهريب أدوية مغشوشة.
وقبلهما، شقيق نائب آخر ضُبط بتصنيع المخدّرات.
وها نحن أمام شقيق معاون سياسي بارز في “أمل”، متّهم بملفّ من أخطر ملفات النصب الصحي في تاريخ لبنان.
لم تعد المسألة حالات فردية، بل نمطًا متكرّرًا يشير إلى شيء أخطر: وجود “جهاز ظلّ”، عائلي – سياسي، يمارس السلطة بلا أيّ محاسبة، ويوزّع النفوذ بين العائلة والولاء الحزبي.
الصمت أخطر من الجريمة
لماذا لا تُثار الضجّة التي تليق بهذا الحجم من الجريمة؟
لأنّ ماريا، وغيرها، يختبئون تحت عنوان “الخط الدفاعي الأخير” في الوعي اللبناني: “المقاومة”.
كلّ شيء صار قابلًا للتبرير، من تهريب الدواء إلى سرقة المصارف، شرط أن تكون في “الفلك الصحيح”.
لكن هل من مقاومة بلا أخلاق؟
هل من كرامة في بلدٍ يموت فيه المواطن بسبب دواء فاسد، ويُطلب منه الصمت لأنّ الجاني من “بيئته”؟
وهل المقاومة الحقيقية تقوم على حماية المذنبين لا على مساءلتهم؟
العدالة المؤجَّلة
لن يُحاكم ماريا أحد، ما دام ميزان العدالة في لبنان يخضع لقواعد الولاء لا القانون.
وما دامت السلطة تتقن تحويل كل مساءلة إلى مؤامرة، وكل ضحية إلى متّهم، وكل نقد إلى خيانة.
لكنّ الحقيقة لا تموت، وإن مات المرضى بصمت.
فكلّ صرخة وجع ستبقى تذكّرنا أن أخطر ما في لبنان، ليس فقط الفساد، بل الطمأنينة التي يعيشها الفاسد تحت عباءة السياسي وفي ظلّ “المقاومة”.

