“لا يوجد شيء مثل حياة بلا إراقة للدماء”، يقول كورماك مكارثي بفلسفيَّة: “أعتقد أن تصوُّر أن الأجناس يمكن أن تتطور بطريقة ما، بحيث يمكن لكل شخص أن يتعايش مع الآخر في وئام، هو فكرة خطيرة حقًا. أولئك الذين تأثروا بهذا التصوُّر هم أول من استسلموا وتخلّوا عن أنفسهم، وعن حريتهم. رغبتك بأن يكون الأمر بهذه الطريقة سوف تؤدي إلى استعبادك، وتجعل حياتك بلا معنى”.
بين المال والجاه
لم، ولن يتوقف يومًا الصراع على السلطة والمال، في حين لم يتوقف أيضًا الصراع الدموي بين السلطة والمال في باطن الدولة العميقة أو حتى في ظاهرها وعلى سطحها… كما أن الدولة العميقة تختلف بين دولة وأخرى، خصوصًا في الحجم والقوة، والاسم الذي يبقى دائمًا هو العنوان. نعم، الصراع في العلاقة بين المال كعامل اقتصادي والسلطة كفاعل في المجتمع في أعلى الهرم الاجتماعي حسب المقاربة الخلدونية ونماذج السلطة… نظرًا لأن ابن خلدون قد درس معظمها وعايش بعضها، كما كانت حال مكيافيلي الذي عايش الصراع على الدولة بين الجاه والسلطة والمال في القرن السادس عشر في فلورنسا عند آل ميديشي الحاكمة آنذاك.
لا تُطرح هذه العلاقة عند ابن خلدون ظاهريًا كجدلية، فقد أكد على أن الجاه هو المتحكم والمتفوق على المال، وهي نظرة أحادية، أي في اتجاه واحد، قد تُخفي الجدلية بينها إن لم يُعمّق الباحثون التحليل بقراءة أخرى لأفكاره وبمجمل المعطيات. وقد أدت بهم إلى فهم مختلف عن القراءة الأحادية، وإلى إبراز الجدلية والترابط بين المال والجاه والسلطة. وحاول الدارسون تقييم القوة المالية للسلطة، وأن يبيّنوا مفعول المال عند الأمير أو الحاكم أو الرئيس كمثال، ويبيّنوا قوة المال، رغم ما نقرأه في المقدمات والدراسات السياسية والأبحاث بأن الجاه هو المتفوق. وضرورة تجاوز الباحثين النظرة الأحادية الظاهرة بمدعمات وفرها لنا ابن خلدون نفسه، ووضح لنا الجدلية القائمة بين المال والجاه والسلطة آنذاك، وترابطها المتين، وتبيّن أن المال أمر حيوي للسلطة، وأن الجاه غير قادر على الاستمرار دونه، وأنه مولّد للمال في الآن نفسه وراعٍ له، ناهيكم أن الحاكم نفسه عند ابن خلدون ومكيافيلي وغيرهم… كان أكبر مالك للمال!
سقوط حلف ترامب-ماسك
تعدّدت الأسباب والاجتهادات والتحليلات التي فاجأت الكثيرين في الأوساط السياسية في واشنطن من سرعة انهيار العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومساعده السابق الملياردير إيلون ماسك، على الرغم من سريان تكهّنات كثيرة من قبل توقعت بأنها لن تدوم طويلًا. نعم، سقط التحالف السياسي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملياردير إيلون ماسك. إذ اندلع في الأسابيع الأخيرة سجال ناري بين الرجلين، هدّد خلاله ترامب بتجريد أغنى رجل في العالم من عقود ضخمة مبرمة مع الحكومة، بينما كتب ماسك منشورًا قال فيه إن اسم ترامب وارد في وثائق حكومية تتعلّق بالملياردير جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية. وقال ترامب في تصريحات متلفزة من المكتب البيضاوي: “خاب أملي كثيرًا، لقد ساعدت إيلون كثيرًا”. وأضاف: “إيلون وأنا جمعتنا علاقة رائعة. لا أعرف ما إذا كانت ستبقى كذلك”. ويأتي ذلك بعدما انتقد مساعده السابق وكبار مانحيه مشروع قانون الإنفاق المطروح أمام الكونغرس. ويصف الرئيس الأمريكي المشروع بأنه “كبير وجميل”.
“ترامب يريد تفكيك الدولة العميقة، ويعيد بناء أمريكا كنموذج جديد ليس له علاقة بالديمقراطية ولا بالمؤسسات.. لا يريد “دولة” بالمعنى الليبرالي، هو يريد إمبراطورية رأسمالية، تشتغل مثل شركة كبرى، فيها الرئيس مثل CEO.
نعم، تعدّدت الأسباب والاجتهادات والتحليلات في حقيقة ما يجري بين قاطن البيت الأبيض وصاحب منصة إكس ومحطة الصواريخ العابرة إلى الفضاء الخارجي… وذلك دون رسم خط بياني ولو متعرّج لحقيقة ما يجري… أو لحقيقة تلك الخلفيات… والخلافات… رغم هجوم إيلون ماسك على مشروع قانون الميزانية الضخم الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويسعى لإقراره في الكونغرس، واصفًا إياه بأنه “شائن”، وبأنه “رجس يثير الاشمئزاز”. يأتي هذا بعد أيام من مغادرة الرجل الأغنى في العالم منصبه الحكومي في البيت الأبيض. كما هدّد ماسك بأنه سيبدأ “سحب” مركبة دراغون الفضائية من الخدمة، علمًا بأنها تُعد ذات أهمية حيوية لنقل الرواد التابعين لناسا إلى محطة الفضاء الدولية. لكنه بدا لاحقًا وكأنه يتراجع عن ذلك في معرض رده على مستخدم عبر إكس: “حسنًا، لن نسحب دراغون”، إلا أن كلامه لم يكن واضحًا. وأطلق ماسك استطلاعات الرأي لمعرفة إن كان عليه تشكيل حزب سياسي جديد، ما يُشكّل تهديدًا كبيرًا من جانب رجل قال إنه مستعد لاستخدام ثروته لإطاحة مشرعين جمهوريين يعارضون رأيه.
تفكيك الدولة العميقة
في حين يعتقد البعض أن الموضوع أعمق بكثير: “ترامب يريد تفكيك الدولة العميقة، ويعيد بناء أمريكا كنموذج جديد ليس له علاقة بالديمقراطية ولا بالمؤسسات.. لا يريد “دولة” بالمعنى الليبرالي، هو يريد إمبراطورية رأسمالية، تشتغل مثل شركة كبرى، فيها الرئيس مثل CEO، والمواطن مثل موظف، والمؤسسات مجرد أدوات تنفيذ. يريد تقليل الإيرادات (عبر تخفيض الضرائب)، ورفع المصروفات (عبر ضخ أموال بالدفاع والذكاء الاصطناعي)، ليخلق عجزًا مقصودًا، يُستخدم لاحقًا كذريعة لتفكيك النظام القديم: إلغاء برامج الدعم، خصخصة الخدمات، تصفية البيروقراطية، وتقوية قبضة المركز. الذي يحدث في أمريكا اليوم هو فعليًا تأكيد على نهاية الدولة القومية، وفشل النموذج الليبرالي الغربي نفسه. الديمقراطية، الانتخابات، مؤسسات الفصل بين السلطات، حقوق الإنسان، تمثيل الشعب… كل هذه القصص تنهار لحساب شيء جديد كليًا: إمبراطورية وظيفية، فيها القيمة ليست بكونك “مواطنًا”، بل بكونك عنصرًا (فعّالًا) ضمن شبكة وظيفية”.
نشهد انكشاف الشكل الحقيقي لليبرالية الغربية بدون أي تجميل: لا خطاب حقوقي، ولا مبادئ إنسانية، ولا وعود بالحرية والمساواة… بل فقط ثالوث: سلطة.. رأس مال… وظيفة!! حيث إن الليبرالية، خلافًا لما يُروَّج لها البعض، لم تكن يومًا مشروعًا تنويريًا بالمعنى الأخلاقي، بل كانت منذ البداية أداة اقتصادية لإدارة السوق وتحقيق الاستقرار داخل منظومة الرأسمالية الصناعية. خطاب “الحقوق” و”الحرية” كان جزءًا من مرحلة تسويقية ضرورية لتثبيت الهيمنة، يعني نوع من الـ marketing وليس جوهرًا فلسفيًا أصيلًا فيها. واليوم، مع انهيار التوازنات القديمة، سترجع الليبرالية لجوهرها الأصلي: إدارة البشر كعناصر إنتاج، وتنظيم المجتمع كمنصة عمل، وليس كجماعة سياسية حاملة لقيم. طبعًا هذا الغلاف يسقط، بسبب صعود الصين كنموذج مضاد ومنافس ناجح لا يستخدم أي خطاب حقوقي أو ديمقراطي، لكنه يحقق نتائج اقتصادية واستقرارًا داخليًا أكبر بكثير… فالصين، من دون أن تهاجم الليبرالية، كشفتها عمليًا.. لأنها أثبتت أن الشرعية يمكن أن تُبنى على الكفاءة والسيطرة والتحكم، وليس على القيم والحرية والتمثيل!.. وهذا أجبر الليبرالية الغربية على أن تخلع القناع وتكشف حقيقتها الأصلية: منظومة لإدارة البشر كعناصر إنتاج داخل شبكة المال.. والسلطة.. والاقتصاد… لا أكثر!
نشهد انكشاف الشكل الحقيقي لليبرالية الغربية بدون أي تجميل: لا خطاب حقوقي، ولا مبادئ إنسانية، ولا وعود بالحرية والمساواة… بل فقط ثالوث: سلطة.. رأس مال… وظيفة!!
في رواية “خط الدم” أو “حمرة الغسق في الغرب”، كل الجيـاد الجميلة هي أقل خطورة. قمعية ولكن متعقِّلة. الشخصية الرئيسية صبيٌ اسمه جون غرادي كول. يغادر منزله في غرب تكساس عام 1949 بعد وفاة جده وخلال طلاق والديه. يقوم بإقناع صديقه لاسي رولينز بامتطاء الخيل والذهاب إلى المكسيك. الحوار يصف نوعًا ما تبادلات كوميدية لدى هؤلاء الشباب رعاة البقر، مطعمة بموسيقى قاتمة كما لو كانت كلماتهم مسحوبة إلى الأسفل بفعل ريح قادمة من الصحراء. امتطيا الجياد.
– هل سبق لك أن اضطربت وكنت محتارًا؟ يسأل رولينز.
– بماذا؟
– لا أعرف، بأي شيء. مضطرب وقلق فقط.
– أحيانًا، عندما تكون في مكان أحدٍ ما لا يفترض بك أن تشعر مثله. إن كنت تريد أن تكون مضطربًا، فستكون كذلك على أي حال. حسنًا، لنفترض أنك كنت مضطربًا وقلقًا ولم تعرف لماذا. هل يعني ذلك أنك ربما تكون في مكانٍ لم يُفترض أن تكون فيه ولم تعرف ذلك من قبل؟
– ما خطبك بحق الجحيم؟
– لا أعرف. لا شيء. أعتقد أنني “سأبكي”. وفعَل ذلك!
اقرا ايضا: لبنان يغلق أبواب النزوح السوري..14 عامًا بين المخيّم ونار الوطن!

