في تحول لافت يعبّر عن تغيّر استراتيجي في مقاربة إيران للملف اللبناني، حمل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت خطابًا مختلفًا هذه المرة، إذ أعلن نية بلاده “فتح صفحة جديدة” في العلاقات بين طهران وبيروت، على قاعدة “دولة إلى دولة”، مؤكدًا على احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
تصريحات عراقجي جاءت في توقيت دقيق، تزامن مع تسريبات عن اقتراب التوصل إلى اتفاق نووي جديد بين إيران والولايات المتحدة، ما أضفى على زيارته طابعًا سياسيًا يتجاوز المجاملة البروتوكولية، وأوحى بأن التحول في الخطاب قد يكون تمهيدًا لتحولات أعمق في المشهد الإقليمي.
غياب المقاومة
اللافت في زيارة المسؤول الإيراني هو غياب أي إشارة إلى “المقاومة” أو “حزب الله”، في تغيير ناعم للهجة الإيرانية المعهودة، ما فُسِّر على أنه رسالة مبطنة للحزب أكثر مما هي موجهة للسلطات اللبنانية. فبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، كانت الزيارة بمثابة إيصال رسالة مباشرة للحزب: لا مجال لانفجار أو تصعيد الآن، ومرحلة التسويات الإقليمية تتطلب تهدئة الساحات.
وفيما بدا تمهيدًا لإعادة ضبط العلاقات، عرض عراقجي استعداد طهران للمساهمة في إعادة الإعمار عبر شركات إيرانية، لكن “بطلب رسمي من الدولة اللبنانية”، وهو ما يعكس التزامًا شكليًا – وإن كان جديدًا – باحترام المؤسسات اللبنانية.
مصادر متابعة أشارت إلى أن إيران بدأت بالفعل الاستجابة لبعض شروط الاتفاق النووي الجديد، ومن أبرزها وفق التسريبات: استيراد اليورانيوم المخصب من الخارج بدلًا من إنتاجه محليًا، ووقف التخصيب داخل إيران، إضافة إلى التزام غير معلن بتحجيم أذرعها في المنطقة، لا سيما في لبنان وسوريا. وفي هذا السياق، تتحدث معلومات عن موافقة مبدئية إيرانية على نزع سلاح “حزب الله” تدريجيًا، مقابل ضمانات إقليمية ودولية بعدم استهداف مصالحها الحيوية.
هذه التطورات تشير إلى مرحلة انتقالية، قد تعني – عمليًا – بداية النهاية لحالة الازدواجية العسكرية في لبنان، والاتجاه نحو نموذج “لبنان المتوازن برعاية الخارج”، بدلًا من “لبنان الممسوك من محور خارجي”.
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، في لقائه مع عراقجي، أكد على حصر السلاح بيد الدولة، وعدم السماح بمرور أي مساعدات إلا عبر القنوات الرسمية، وهو موقف تقاطع مع مواقف الرؤساء الثلاثة الذين استقبلوا المسؤول الإيراني، ما عكس إجماعًا لبنانيًا على ضرورة تنظيم العلاقة مع طهران ضمن الأطر السيادية.
زيارة عراقجي، بحسب مصادر رسمية لبنانية، “مختلفة شكلًا ومضمونًا”، وأتت في سياق إقليمي ودولي مفتوح على تسويات كبرى. فالمناخ الإيراني يشهد ضغوطًا داخلية وخارجية خانقة، وسط تخوف متزايد من عودة العقوبات وتدهور اقتصادي محتمل، ما يدفع النظام إلى تقديم تنازلات موضعية، أبرزها تقليص التورط في النزاعات الإقليمية، وإعادة ترتيب أوراق الحلفاء.
دلالات تعيين حمية
ضمن هذا السياق، جاء تعيين الوزير السابق علي حمية، المحسوب على “حزب الله”، مستشارًا للرئيس اللبناني جوزاف عون. خطوة اعتُبرت في الأوساط السياسية “رسالة تطمين” للحزب بأن شراكته لا تزال قائمة، ولكنها أيضًا قد تكون مقدمة لصفقة سياسية تتيح نقاش ملف السلاح مقابل ضمانات سياسية، بما يشبه عملية الدمج التدريجي للحزب في الدولة، لا نزع سلاحه بالقوة.
في المحصلة، ما بين تحولات الخطاب الإيراني في بيروت، وملامح الصفقة النووية في فيينا، وما بين خطوات لبنانية محسوبة لاحتواء الأزمة، يبدو أن لبنان يقف على عتبة مفصل تاريخي جديد، عنوانه العريض: التهدئة أولًا، والتسويات لاحقًا. أما “السلاح”، فيبقى على الطاولة، لا كرمز للقوة، بل كعنوان لتسوية مقبلة… تنتظر لحظة الترجمة.
اقرا ايضا: عن زيارة عراقجي… و«الصفحة الجديدة» مع لبنان..

