ثمّة كتابٌ إذا لم يحرّك فيك الغضب، فإنه بالتأكيد يوقظ فيك الوعي. “رسول الشاه وشيعة السفارة” ليس مجرّد عرض سرديّ لتاريخ ثلاث عمائم أساسية في لبنان — موسى الصدر، محمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله — بل هو محاولة جريئة لإعادة قراءة تشكّل الوعي الشيعي الحديث، بكل ما فيه من انكسارات وتحوّلات وتحالفات.
علي سبيتي، الذي كتب من داخل البيئة، لا من خارجها، لم يسعَ إلى التصفية بل إلى التفكيك، ولا إلى الهدم بل إلى الفضح، ولا إلى التأريخ المحايد بل إلى فضح حيادية التأريخ. في كتابه، لا نجد لغة المحاكمات القضائية، بل نبرة الشاهد الذي حضر الحريق، ويكتب بلغة الرماد.
راسبوتين لبنان وبروليتاريا الطائفة
منذ العنوانين الفرعيين اللذين أفردهما للإمام موسى الصدر: “راسبوتين لبنان” و”بروليتاريا الطائفة”، من وجهة نظري يستعرض رأيين، الأول: (لمن وصف الإمام الصدر بعد عقد من الزمن، بأنه راسبوتين،لبنان، ولم يعد يتمتع بملامح ومزايا يسوع المسيح، ولم تعد نظرته آسرة، وقامته ممشوقة، ووجه المسيح تحت العمامة التي فتحت له العديد من الأقفال).. الثاني: (غاب الصدر بعد غدر الغادرين، وطعن الطاعنين بسكين مسموم بسم أفاع عربية ولبنانية وفلسطينية. هذه الكثرة من الأعداء، تؤكد وطنيته وصحة،دوره، وما اختلافه مع أهل اليمين وأهل اليسار، إلا دلالة واضحة على وسطيته، حرصا منه على لبنان لجميع أبنائه)…
يدفعك الأستاذ سبيتي إلى حافة الدهشة. يخلط المجاز بالتوصيف السياسي، ليعيد تقديم الإمام ليس كرمز مُطلَق، بل كمشروع تغييري محاط بالأسئلة. لا يُنكر فضل الرجل، لكنه لا يعفيه من المساءلة. يتحدّث عنه من داخل المأساة، لا من خارج التاريخ.
وعبر شخصية السيد محمد حسين فضل الله، يفتح جرح التحوّلات داخل البنية الدينية نفسها: من الفقيه المجتهد إلى الداعية الإعلامي، من النقد الداخلي إلى التسويات السياسية. أما شمس الدين، فيُقدَّم كمثقف سياسي عرف أن للمنابر حدودًا، لكنّه غالبًا ما تردّد في كسرها.

وفي فصول أخرى، يمرّ على السيد هاني فحص، ومحمد حسن الأمين، والسيد علي الأمين، وغيرهم… لا ليمدحهم أو يذمهم، بل ليضعهم تحت ضوء السؤال: من صنع من؟ العمامة أم الموقف؟ الجمهور أم الخطاب؟ السلطة أم الهامش؟
الكتاب وثيقة تنتمي إلى الجيل الذي لم يعد يؤمن بأن التاريخ يُكتب على الورق فقط، بل في الخيبات. وبهذا المعنى، فإن الأستاذ سبيتي يكتب وهو غاضب، وربما هذا ما يعطي النص حرارة الشهادة، لا برودة التحليل الأكاديمي. لا يبحث عن الحياد، بل عن الحقيقة، ولو جاءت ملطّخة بالحبر والدم.
في الخلاصة…
لم يكن علي سبيتي كاتبًا يبحث عن شهرة، بل شاهدًا يُسائل التاريخ من قلبه. ومن أراد الرد عليه، فليقرأه أولًا كما قرأناه: بوصفه شهادةً من الداخل، لا بيانًا من العدو. شهادةٌ قد تكون ناقصة، متحيّزة، مؤلمة، لكنّها صادقة، وتلك قلّة في هذا الزمان.
الكتاب لا يقدّم الحقيقة، بل يدفعك لتشكّك بحقيقتك، ولتسأل: هل من مفرّ من إعادة كتابة الذاكرة؟ من تبييض صفحات بعض العمائم، وتسويد صفحات غيرها، من دون أن نُعيد التفكير في الألوان نفسها؟
قد لا تتفق مع كل استنتاج فيه، وربما ترفض أسلوبه أو تغضب من بعض تعبيراته، لكنك لا تستطيع أن تخرج منه كما دخلت. إنه يحرّكك من الداخل، وهذا بحد ذاته انتصار للكاتب… وللقارئ.
“رسول الشاه وشيعة السفارة” ليس كتابًا عابرًا. هو مرآة متصدعة، نرى فيها صورنا مشوّهة كما نحن، لا كما نحب أن نكون. وربما هنا تكمن قيمته الكبرى: أنه يعيدنا إلى ذواتنا، لا لنحاكمها، بل لنسألها من جديد: من نحن؟ ومن الذي أملى علينا أن نكون كذلك؟ولعلّ من أعظم ما يُحسب لهذا الكتاب أنه كُتب بجرأة نادرة، والجرأة في حقل الأديان والسياسة ليست ترفًا، بل ضرورة. فالثوابت التي لا تُمس، تتحوّل أصنامًا فكرية، والمقدّسات حين تعلو على النقد، تنقلب أدوات للهيمنة. الكتابات الجريئة لا تهدم الإيمان، بل تخلّصه من زيف التقديس الأعمى. و”رسول الشاه وشيعة السفارة” يمشي هذا الخيط الرفيع: يزعجك لتفكّر، ويصفعك لتصحو، ويكتب ليوقظ لا ليُرضي.

