في ليلةٍ هادئة فوق مياه المتوسط، ظهرت ظلالٌ خفية لطرادٍ شبحٍ لم يكن في حسبان حزب الله. بارجة إسرائيلية غامضة، صُمّمت خصيصًا لتكون «الكابوس البحري» الجديد لخصومها.
حزب الله، الذي دمّر البارجة الحربية الإسرائيلية «ساعر 5» في عدوان 2006، لم يتمكن من فعل الأمر نفسه في عدوان 2024. فما السر الذي جعل طرادات «ساعر-6» هدفًا عصيًا على هجماته رغم قوته البحرية والإعلان الشهير للأمين العام الأسبق لحزب الله السيد حسن نصرالله عن تدمير «ساعر 5 في عرض البحر»، وفق تقرير لـ«ناشونال إنترست»؟
طرادات «ساعر 6»
بالرغم من حجمها الصغير نسبياً، تعد طرادات «ساعر 6» الإسرائيلية من بين السفن البحرية الأكثر تسليحاً في العالم.
طلبت إسرائيل هذه السفن في أيار 2015، وتم بناؤها بواسطة شركة «تيسين كروب» (TKMS) في ألمانيا. تم إنتاج أربع سفن من هذه الفئة وهي:
- INS Magen (الدرع)
- INS Oz (الشجاعة)
- INS Atzmaut (الاستقلال)
- INS Nitzachon (النصر)
وتعتبر هذه السفن الآن العمود الفقري لأسطول إسرائيل في الحرب البحرية السطحية.
لماذا تحتاج إسرائيل إلى طرادات «ساعر 6»؟
تعتمد طرادات «ساعر-6» على التصميم الأساسي لطرادات فئة «براونشفايغ» الألمانية (K130)، مع تعديلات مخصصة لتلبية الاحتياجات العملياتية الفريدة لإسرائيل. من المهم ذكر أن هذه السفن أكبر بكثير من سابقاتها من فئة «ساعر-5». وتستخدم هذه السفن تقنيات الشبح في هيكلها الخارجي لتقليل البصمة الرادارية والحرارية، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة من قبل الصواريخ الموجهة بالرادار للعدو.
وتعد هذه الخاصية أساسية بالنظر إلى خطر الصواريخ المضادة للسفن، وخاصة الصاروخ الصيني الصنع C-802 الذي استخدمه حزب الله لضرب طراد INS Hanit (من فئة ساعر-5) خلال حرب لبنان عام 2006، وهو الهجوم الذي أدى إلى مقتل أربعة بحارة إسرائيليين.

بدأ بناء طرادات «ساعر-6» عام 2018، وتم تسليم جميع السفن الأربع بين كانون الأول 2020 وتموز2021. وقد حظي المشروع بدعم جزئي من الحكومة الألمانية التي تحملت ثلث التكاليف، استمراراً لدعم مماثل حصلت عليه إسرائيل في برنامج غواصات «دولفين». بنيت هذه السفن في مدينة كيل الألمانية بواسطة شركة TKMS بالتعاون مع شركة German Naval Yards Holdings.
بعد وصول السفن إلى إسرائيل، تم تجهيزها بأجهزة استشعار وأسلحة وأنظمة اتصالات إسرائيلية الصنع، وهي عملية استغرقت حوالي عامين لكل سفينة، وهي فترة قصيرة نسبياً مقارنةً بعشر سنوات استغرقتها سفن «ساعر-5» لتصبح جاهزة للعمل بالكامل.
تسليح طرادات «ساعر-6»
تحتوي هذه السفن على نظام دفاعي متعدد الطبقات، أبرزها 32 خلية إطلاق عمودية لصواريخ “باراك-8” سطح-جو، والتي تستطيع التعامل مع الصواريخ والطائرات والطائرات المسيّرة على مسافات تتجاوز 57 ميلاً. كما توجد 40 خلية مخصصة لنظام «سي-دوم»، النسخة البحرية من «القبة الحديدية»، لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى وقذائف المدفعية.
وتقول «ناشونال إنترست»: «أثبتت منظومة «سي-دوم» فعاليتها القتالية العام الماضي، عندما نجحت في إسقاط طائرة مسيّرة تابعة لحزب الله وأهداف أخرى».
16 صاروخاً
طرادات «ساعر-6» مجهزة أيضاً بما يصل إلى 16 صاروخاً مضاداً للسفن مثل «غابرييل 5»، وتبلغ مداها المعلن حوالي 248 ميلاً، ومخصصة للعمليات الساحلية وتستخدم راداراً نشطاً عالي الدقة. كما زودت السفن بمدفع رئيسي من طراز «أوتو ميلارا» 76 ملم، بمعدل إطلاق نار عال ضد الأهداف الجوية والبحرية يصل مداه إلى 12 ميلاً (أو 25 ميلاً باستخدام ذخائر “فولكانو” المتطورة). وتحتوي أيضاً على منصتي أسلحة من طراز «رافائيل تايفون»، عادةً مزودة بمدافع 30 ملم، توفر حماية ضد الزوارق الصغيرة والتهديدات غير التقليدية الأخرى.
إضافة إلى ذلك، تحمل طرادات «ساعر-6» قاذفي طوربيد من عيار 324 ملم لإطلاق الطوربيدات الخفيفة MK54، ما يمنحها قدرات معتدلة في مجال الحرب المضادة للغواصات. كما تحتوي على حظيرة للطائرات المروحية ومهبط يتسع لطائرات هليكوبتر متوسطة الحجم مثل SH-60F Seahawk، مما يعزز من قدراتها في مهام الدوريات البحرية ومكافحة الغواصات.
تستند مجموعة أجهزة الاستشعار الخاصة بالسفينة إلى رادار AESA طراز EL/M-2248 MF-STAR، القادر على اكتشاف الطائرات على بعد 155 ميلاً والصواريخ البحرية القريبة من سطح الماء على بعد 15 ميلاً. وتم تصميم منظومة الحرب الإلكترونية من قبل شركة «إلبيت سيستمز»، والتي تشمل أنظمة الدفاع السيبراني، والتضليل، والتشويش، رغم بقاء تفاصيلها الدقيقة سرية. وترتبط هذه الأنظمة بشبكة متكاملة تسمح للسفن بالاتصال مع شبكة الدفاع الجوي الأوسع في إسرائيل، بما في ذلك أنظمة «القبة الحديدية» و«مقلاع داوود».

«ساعر-6» للدفاع عن حقول الغاز الإسرائيلية
إكتشف العدو الإسرائيلي احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي في منطقتها الاقتصادية الخالصة (EEZ) في أوائل الألفية الجديدة.
توفر هذه الحقول أكثر من 60٪ من الكهرباء الإسرائيلية، كما تدعم صادرات الغاز إلى الأردن ومصر، ما يجعلها أصولاً استراتيجية حيوية للكيان. وكان على البحرية الإسرائيلية حماية هذه الموارد وتأمين ممرات الملاحة التي تمر عبرها 97٪ من واردات إسرائيل.
أمام هذا الواقع، يكمل التقرير: «لقد أثبتت هذه الطرادات بالفعل قيمتها أمام التهديدات الإرهابية مثل حماس. فبعد أحداث 7 أكتوبر 2023 المروعة، والتي قتلت فيها حماس ما يقرب من 1200 مدني إسرائيلي وخطفت مئات الرهائن، نفذت سفينتا INS Oz وINS Magen ضربات مدمرة ضد أهداف لحماس في قطاع غزة، بينها منشأة لتصنيع الأسلحة، باستخدام مدافع 76 ملم. وفي ديسمبر 2023، استُخدمت INS Magen لمواجهة هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدينة إيلات».
وينهي التقرير قائلا: «مع استمرار التهديد الحوثي وتزايده، ورغم قوة طرادات ساعر-6 ، فإن عدم القدرة على القضاء على الحوثيين نهائياً يذكرنا بأن الجيش الإسرائيلي ليس دائماً مسيطراً كما يعتقد البعض. ومع ذلك، تظل طرادات ساعر-6 تكنولوجيا عسكرية مذهلة تجعل إسرائيل في وضع أفضل مما كانت عليه سابقاً».

