بدأت السلطات بإجراء الانتخابات البلدية عام ١٩٩٨ وذلك بعد انقطاع دام ٣٥ عاماً بسبب الحروب الاهلية المسلحة التي توقفت اثر اتفاق الطائف عام ١٩٨٩.
وعلى الرغم من الدور الذي يجب ان تلعبه البلديات كسلطات محلية مسؤولة عن وضع خطط تنموية في النطاق الجغرافي المحدد وتحسين مستوى الخدمات، الا ان النظام السياسي أجرى دورتين انتخابات نيابية عام ١٩٩٢ وعام ١٩٩٦ قبل اجراء الانتخابات البلدية عام ١٩٩٨، لأن اطراف النظام تنظر إلى البلديات بصفتها أدوات لاعادة انتاج العلاقات السياسية بين الجمهور والقوى السياسية الاساسية، واذا كانت الانتخابات النيابية عام ١٩٩٢ رسمت خارطة تقاسم السلطات، فان انتخابات عام ١٩٩٦ كرست نوع العلاقة بين اطراف السلطة وحصة كل منها.
الصندوق البلدي المستقل، فقد تحول الى صندوق أسود لا تعرف أي من البلديات ماذا يدخله وكيف توزع الاموال المحصلة لصالح البلديات
نزاع بلدي سياسي
ومنذ انتخابات عام ١٩٩٨، والنزاع بين القوى السياسية يدور حول من يستولي على السلطات المحلية ويستفيد من مواردها ويعيد ربط اهالي البلدات والمدن بالزعماء السياسيين.
وبعد نحو ثلاثة عقود نجحت الاطراف السياسية السلطوية في الاستفادة والاستيلاء على اراضي المشاع في العديد من البلدات، وتحولت المشكلات البيئية الى منجم يغرفون الذهب منه، وفتحت أزمة الكهرباء الباب أمامهم للاستفادة من المولدات الكهربائية غير القانونية، وتسلّطوا على الاموال المقدمة لمعالجة المياه المبتذلة من خلال إقامة محطات لا تعمل وغيرها الكثير من أبواب نهب الاموال العامة عبر البلديات.
اما الصندوق البلدي المستقل، فقد تحول الى صندوق أسود لا تعرف أي من البلديات ماذا يدخله وكيف توزع الاموال المحصلة لصالح البلديات، وبدل ان تتحول اتحادات البلديات الى أطر ترسم خطط استراتيجية تجمع بين بلدات عدة لديها موارد طبيعية مشتركة يمكن ان تؤمن مشاريع اقتصادية تعيد المواطن الى بلدته، تحولت الاتحادات الى محظيات سياسية تتبع هذا الطرف السياسي او ذاك، وتتقاسم حصص الصندوق البلدي المستقل من دون القيام باي مشروع بلدي مشترك.
اهمال اللامركزية
وفي لبنان نحو ١٠٥٠ بلدية، وقد استقال اكثر من ١٠٠ مجلس بلدي من مسؤولية تقديم الخدمات، من دون اي تقدم باتجاه مشروع اللامركزية الادارية، الذي من المفروض ان ينشىء وحدات إدارية متجانسة ترسم طريقاً للتنمية المستدامة بكل جوانبها، واكتفت مشاريع اللامركزية الادارية المركونة في الادراج باقتراح وحدات إدارية تعتمد على القضاء المرسوم منذ الانتداب الفرنسي على اساس طائفي ومذهبي.
وعلى الرغم من رفع شعار الانتخاب في مكان السكن منذ سبعينيات القرن الماضي، فلم يجر اي تعديل قانوني بهذا الاتجاه وعلى الرغم من أن الحروب الاهلية المتتالية فرضت على الكثير من المواطنين انتقالاً من مكان الى آخر فما زال الانتخاب يجري على اساس سجل القيد ما يمنع الكثير من المشاركة ويمنع الكثير من المساءلة والمحاسبة.
خلال عام ٢٠٢٤ شاركت في ثمانية مجموعات تركيز في مناطق الجنوب، الشمال، البقاع، بيروت وجبل لبنان لنقاش الانتخابات البلدية، وكان الراي متفقاً في جميعها على أهمية إقرار تعديل على قانون الانتخابات البلدية، كي يُسمح بالانتخاب في مكان السكن، حيث يدفعون الرسوم والضريبة كي يكون لهم الحق بالمساءلة والمحاسبة.
اكتفت مشاريع اللامركزية الادارية المركونة في الادراج باقتراح وحدات إدارية تعتمد على القضاء المرسوم منذ الانتداب الفرنسي على اساس طائفي ومذهبي.
واليوم، وفي معظم البلدات والمدن اللبنانية ما زالت الانتخابات تجري تحت شعارات تتعلق بضرورة تمثيل العائلات وتقاسم المواقع بينها، او أهمية تفاهم الأحزاب السياسية حول الحصص في البلديات تحت حجج المحافظة على الوجود والحق بالسلطة، كما نلاحظ مشاريع مجالس بلديات ترفع شعارات عامة وهمية وغير قابلة للتحقق ونادراً ما نجد فريق عمل مرشح يحمل برنامج عمل قابل للتحقق عبر مشاريع تشكل حلولاً لمشكلات النطاق الجغرافي حيث يعيشون، ويرسم آلية عمل للتواصل مع الاهالي واشراكهم بالتخطيط والمراقبة والمساءلة وأن تكون الشفافية ممارسة يومية للفريق المقترح.
فهل تبادر البلديات في هذا الاتجاه؟
اقرا ايضا: مصدر أميركي: إمّا التزام ايراني بتفكيك «الحزب»..أو اجتياح اسرائيلي يصل لبيروت

