هناك سقف أخلاقي لكل معركة ولكل أختلاف… من تجاوزه خسر، ولو ظن نفسه منتصرًا. - حمّور زيادة.
إن حرية الفكر لا تمثل خطرًا على الإيمان.. إن العقل هو أساس الإيمان في فلسفة سبينوزا.. فإن غاب العقل ظهرت الخرافة، وإذا سادت الخرافة ضاع العقل كما نشاهد في هذه الأيام، التي يقود فيها الغوغاء وأحزاب الغوغائية البلد على طريق المطار، إلى حافة حروب لم يعد يحتمل البلد تداعياتها وأثمانها واهدافها الحقيقية، المُبيّتة على خط إيران – بيروت الجوي والحجة إياها… والمقصود بالغوغاء هنا، هو صوت أولئك الغوغاء وصياحهم كمثل صوت الجراد، اما الغوغاء من الفئة الغائبة عن الوعي من الناس، لكثرة صياحهم ولغطهم.
وهم الهمج والمأجورون الذين يشيعون الفوضى بين الناس لغاية محمولة في طائرة ايرانية من التهريب إلى نقل الممنوعات والسلاح والمؤامرات والفوضى التي تعودنا عليها، من جماعة جهاد الردة وحروبها في هذا الزمان زماننا والمكان بلادنا… والمعنى العملي التطبيقي هو السياسيّ، الذي يتملَّق الجماهير لكسب ودِّهم الغوغائيّ، والغوغائية بطبيعتها الفوضوية تعد عدوّا للديمقراطيّة ومجتمعها..
والغوغاء أي صريخ الهمج والشعارات الخشبية.. ورغم بعض التباين في التعريف اللغوي، إلّا أن المعنى العملي على أرض الواقع واحد. بالمختصر المفيد فإن الغوغائية نتاج أجتماعي سيكولوجي، ينغرس في ذهنية الناس بفعل فاعل سياسي، من أجل إخضاع وتوجيه قاعدة إجتماعية واسعة، لتحقيق أهداف تخدم الفاعل الإيراني، الذي يريد تحقيق أهداف سياسية في المقام الاول.
وقد حدد المؤرخ راينهارد لوثين – Reinhard Luthin الديماجوجية (الغوغائية) على النحو التالي: “ما هو، او من هو الديماغوجي؟ إنه سياسي ثعلب ماكر في الخطابة، والتملق، مراوغ في مناقشة القضايا الحيوية، وإعادة كل شيء للجميع، مناشدة للعواطف بدلًا من إعطاء أسباب منطقية للجمهور، وإثارة التحيزات العنصرية والدينية والطبقية، سياسي أو حزب يقود شهوته للسلطة، دون اللجوء إلى المنطق ساعيا ليصبح “سيدًا” للجماهير. وقد مارس مهنته منذ عقود كرجل الشعب، الديماغوجية الغوغائية هي تقليد سياسي قديم قدم الحضارة نفسها”.
ملخص ما يجري على الطرقات المؤدية الى مطار رفيق الحريرى الدولي في بيروت، هو إن المطار تلقى طلبا من وزارة الأشغال العامة والنقل بإبلاغ خطوط ماهان الإيرانية، بعدم استقبال رحلتين تابعتين لها إلى بيروت، واحدة كانت مقررة مساء الخميس وأخرى يوم الجمعة، مضيفا أن الرحلتين أُرجئتا إلى الأسبوع المقبل، من دون تحديد السبب. من جهتها، قالت المديرية العامة للطيران المدني في بيان إنه “حرصا على تأمين سلامة مطار رفيق الحريري الدولي وأمنه، اتخذت بعض الإجراءات الأمنية الإضافية التي تتوافق مع المقاييس والمعايير الدولية”. وأضافت أن الأمر “اقتضى إعادة جدولة توقيت بعض الرحلات الآتية إلى لبنان موقتا، ومنها الرحلات الآتية من إيران حتى تاريخ 18 فبراير/شباط الجاري، و”يجري العمل الآن مع شركه طيران الشرق الأوسط لتسيير رحلة الليلة لنقل المسافرين اللبنانيين العالقين في مطار طهران”. وعلى اثر ذلك قطع عشرات الشبان الموالين لحزب الله اللبناني مساء أمس الخميس مدخل مطار بيروت والطريق الدولي المؤدي إليه بالإطارات المشتعلة، احتجاجًا على إبلاغ السلطات “خطوط ماهان الإيرانية “بتعذر استقبال رحلتين مجدولتين من طهران.
وحسب وكالة الأنباء اللبنانية، تجمع شبان رافعين رايات “حزب الله” الصفر على الطريق المؤدي إلى المطار، وأضرموا النيران في إطارات مطاط، مما أدى إلى قطع الطريق، وأشعلت مجموعة أخرى الإطارات أمام مدخل المطار. وردد المحتجون هتافات مناوئة لإسرائيل والولايات المتحدة، ورفع بعضهم صورًا للأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله الذي يُشيّعه الحزب في نهاية الأسبوع المقبل، بعد مقتله بغارة إسرائيلية في سبتمبر/أيلول الماضي. وعمل الجيش اللبناني على منع المحتجين من قطع الطريق وتسهيل حركة المرور، وأظهرت مقاطع فيديو تدافعًا بين محتجين غاضبين وعناصر من الجيش اللبناني. هذا دون أن يذكر “حزب الله” اتهامه مرارًا وتكرارا بإستخدام المطار من أجل نقل سلاح من طهران وتخزينه. وعززت الأجهزة الأمنية بإشراف الجيش اللبناني خلال المواجهة الأخيرة بين الحزب وإسرائيل، إجراءات الرقابة والتفتيش في المطار لضمان عدم استهدافه. وأخضعت سلطات المطار مطلع العام الحالي طائرة إيرانية، أقلّت وفدا دبلوماسيا لتفتيش دقيق، مما أثار أنتقادات واسعة من مناصري حزب الله وإشادة من خصومه.
لقد سلكت أزمة منع هبوط الطائرة الإيرانية في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، منحى دبلوماسيًا وآخر أمنيً، في أول تحدٍّ داخلي تواجهه الحكومة اللبنانية الجديدة التي حاولت تطويق الأزمة عبر “المديرية العامة للطيران المدني” ووزارة الخارجية، على إيقاع لجوء جمهور “حزب الله” إلى الشارع، وهو ما يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية للحكومة. وبدا أن تداعيات الملف، تتخطى الجانب التقني، وانفجرت غضبًا شعبيًا لم يتبنّه “حزب الله” رسميًا، في وجه الحكومة، للمرة الأولى منذ تشكيلها، حيث تداعى المحتجون إلى الطرقات، وأقفلوا طريق المطار ومنافذ أخرى على عقدة مواصلات رئيسية تصل إلى المطار، أبرزها في منطقة “الرينغ” وجسر “سليم سلام”، قبل أن يعيد الجيش اللبناني فتحها.
في حقيقة الامر، إن ما حدث من فوضى وقطع للطرق وإشعال للإطارات في بعض المناطق، أمر مرفوض جملةً وتفصيلًا، وهو ليس تعبيرًا عن رأي، بل تخريب ممنهج يهدف إلى زعزعة الاستقرار وضرب صورة الدولة، في لحظة بدأ فيها اللبنانيون يستعيدون الأمل بالمستقبل.
الاحتجاج حق مشروع كما يصرخ البعض، لكن بأسلوب حضاري ومنظم، وليس عبر التخريب والتدمير الذي يعمّق الأزمات بدلًا من أن يحلّها. وهنا يكون السلاح كما جاء في قسم رئيس الجمهورية بيد الدولة وحدها، وضرورة أن تعمل القوى الأمنية بحزم لمنع أي محاولة لضرب الاستقرار وإعادة لبنان إلى نقطة الصفر. الشعب اللبناني وقواه الشرعية امام فرصة تاريخية لإنقاذ البلاد، ولا يجب ان يسمح أن تضيع بسبب أعمال غوغائية، لا تخدم إلا مشاريع الفوضى والانهيار المُدرج على اجندات خارجية.
الاحتجاج حق مشروع كما يصرخ البعض، لكن بأسلوب حضاري ومنظم
وما زاد الأمر سوءًا، قيام مجموعة من الشبان المشبوهين بانتمائهم المشبوهة، مساء الجمعة، على مهاجمة موكب تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وإحراق 3 سيارات تابعة لها، وقالت “اليونيفيل” في بيان “تعرضت قافلة تابعة لقوات حفظ السلام من اليونيفيل مساء اليوم لهجوم عنيف، أثناء توجهها إلى مطار بيروت، حيث أُضرمت النيران في إحدى مركبات القافلة. وقد أسفر الهجوم عن إصابة نائب قائد قوات اليونيفيل المنتهية ولايته، الذي كان في طريقه إلى بلاده بعد انتهاء مهمته”. وأضافت: “لقد أثار هذا الهجوم صدمتنا، فهو يُعدّ هجومًا مريعا على قوات حفظ السلام التي تعمل على استعادة الأمن والاستقرار في جنوب لبنان خلال فترة صعبة”. وشددت على أن مثل هذه الهجمات ضد قوات حفظ السلام تُعدّ انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وقد تشكل جرائم حرب، مطالبة السلطات اللبنانية بإجراء تحقيق شامل وفوري، والعمل على تقديم جميع المسؤولين عن هذا الهجوم إلى العدالة.. وقالت: “تستمر قوات حفظ السلام في تنفيذ مهمتها لتأمين الأمن والاستقرار في جنوب لبنان وفقاً لولايتها التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 1701”.
من أخطر الامراض النفسية المزمنة، أؤلئك الذين يعيشون في أكثر الاحيان على “الأنا او لا احد”
وسارعت قناة “المنار”، التابعة لحزب الذين على رؤوسهم الريش باللون الأصفر، إلى نشر منشور عبر منصة إكس، قالت فيه إن “عناصر فوضوية وغير منضبطة تقوم بإحداث فوضى مشبوهة الأهداف على طريق المطار، تشمل قطعًا للطريق وإحراقًا للوحات الإعلانية”. من جانبها، أصدرت قيادة “حركة أمل”، حليف “حزب الله”، بيانًا، قالت فيه “إن الاعتداء على اليونيفيل اعتداء على جنوب لبنان، وقطع الطرقات في أي مكان كان طعنة للسلم الأهلي”. ودعت قيادة الحركة الجيش اللبناني والقوى الأمنية إلى ملاحقة الفاعلين، والضرب بيد من حديد على أيدي العابثين. في حين يتردد في رأسي صدى المثل الشعبي المصري أسمع كلامك يعچبني.. أشوف امورك استغرب.. كما أن الطامة الاكبر أو المشكلة الاكبر، ليست أن الناس غير متعلمين، المشكلة هي أنهم متعلمين بما يكفي فقط ليصدقوا ما تم تعليمهم إياه, وليسوا متعلمين بما يكفي للتساؤل عن أي شيء مما تعلموه!
من أخطر الامراض النفسية المزمنة، أؤلئك الذين يعيشون في أكثر الاحيان على “الأنا او لا احد”. أؤلئك الذين يزرعون الإحباط فيمن حولهم، ويجهضون كل المحاولات البناءة والابتكار والأبداع والتغيير والتطور نحو الأفضل… أؤلئك الذين لا يؤمنون بأحد سوى ذواتهم وأنفسهم المريضة التي تصبح عائقًا امام انفسهم وأمام الاخرين… من أشهر النظريات التي طرحها سيغموند فرويد تلك التي تتحدث عن “البنية النفسية البشرية الثلاثية”، والتي عبّر عن العلاقة بين أساسيات هذه البنية بأنها في حالة توتر ونزاع، من الـ”هو” (id) التي تمثل مجموعة الغرائز الكامنة.. إلى الـ”أنا” (ego) الذي يتاثر هذا الجزء من البنية النفسية العميقة بالعوالم الخارجية واجنداتها.. وصولًا إلى الأنا العليا (superego) التي يتعلمها الفرد من بيئته وتكمن وظيفته في مواجهة الأفكار والرغبات… لتحقيق أهداف مثالية بدلًا من أن تكون واقعيّة. البنية النفسية الثلاثية عند فرويد، هو أن البعض يعيشون وسط نزاعات داخلية بين رغباتهم اللاواعية.. وقناعتهم اللاواقعية.. أو قناعتهم المأجورة والغبية في جميع الأحيان!

