تصريحات متضاربة ولعب على الكلام.. كيف تتعامل إيران مع سوريا؟

ايران
في ذكرى مقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، الذي كان يوما مؤسس ما يعرف بـ"محور إيران"، جلس خامنئي أمام حشد من الجماهير يتحدث عن الأخبار المتلاحقة هنا وهناك ذاكرا سوريا التي كان نظامها السابق حليفا لطهران.

بكلمات قد تحمل ترجمة مزدوجة تحدث المرشد الإيراني عمن “يصولون ويجولون” وأنهم “سيداسون تحت أقدام المؤمنين”، لكن وزير خارجيته، عباس عراقجي، كتب في صحيفة الشعب الصينية يقول “صناعة القرارات المتعلقة بمستقبل سوريا مسؤولية الشعب وحده”، فيما يظهر تناقضا في وقت لا تظهر فيه استراتيجية واضحة تجاه دمشق.

خسرت إيران سوريا ومعها خسرت ما يعرف بوحدة الساحات، ووجهت ضربة أخرى إلى “محورها” مع ضربات إسرائيل تجاه حزب الله وما تتوعد به جماعة الحوثي في اليمن إضافة إلى حركة حماس في غزة، وسط هواجس تزداد داخل النظام الإيراني بعد رحيل الأسد.

ترجمتان وتضارب

أمام حشد جماهيري، وقف المرشد الإيراني علي خامنئي، ليتحدث في ذكرى مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، عن سوريا ليقول إن أي دولة تتخلى عن استقرارها ستكون عرضة للاحتلال مثلما يحدث في البلاد التي سقط فيها نظام الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤.

ويشير فاروق في حديث صحفي إلى أن السردية الإيرانية في الوقت الحالي تعمل على إظهار أنها تدعم سوريا كدولة وليس نظام الأسد بحكم أنها الدولة الوحيدة التي وقفت إلى جانب طهران

وباستخدام لفظ يحمل ترجمتين “جولان” توعد خامنئي من “يصولون ويجولون اليوم سيداسون تحت أقدام المؤمنين”، إذ أن”جولان دادن” تعني بالفارسية يصول ويجول، وتقارب في العربية لفظ “الجولاني” قائد هيئة تحرير الشام والذي يقود سوريا حاليا.

وفي حديث يسبق ذلك قال خامنئي إن على الشباب السوري الوقوف “بإرادة قوية أمام أولئك الذين خططوا ونفّذوا لهذه الحالة من انعدام الأمن، وسيتغلب عليهم إن شاء الله”.

إقرأ أيضا: رئيسٌ للبنان.. بالتوافقِ الأميركيِ الفرنسيِ المؤجل

ولكن في الوقت نفسه، استخدم وزير خارجية طهران، عباس عراقجي، منصة صحيفة “الشعب” باللغة الصينية للحديث عن أن “صناعة القرارات المتعلقة بمستقبل سوريا مسؤولية الشعب وحده.. من دون تدخل مدمّر أو وإملاءات خارجية”.

ومن ناحية ثالثة، كان الحديث عن “مقاومة جديدة” ستظهر في سوريا لمواجهة إسرائيل بعد سقوط الأسد على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي اكبر أحمديان.

حتى الآن لا تبدو أن هناك استراتيجية واضحة للتعامل مع سوريا والسلطة الجديدة الحاكمة

هذه التصريحات التي تتجه في اتجاهات تظهر مختلفة أو متضاربة لكنها ليست جذرية بحسب الباحث في الشؤون الإيرانية أحمد فاروق.

ويشير فاروق في حديث صحفي إلى أن السردية الإيرانية في الوقت الحالي تعمل على إظهار أنها تدعم سوريا كدولة وليس نظام الأسد بحكم أنها الدولة الوحيدة التي وقفت إلى جانب طهران أثناء حرب العراق وإيران.

ويضيف فاروق أنه حتى الآن لا تبدو أن هناك استراتيجية واضحة للتعامل مع سوريا والسلطة الجديدة الحاكمة، ولذلك فالنظام الإيراني يربط بين مسألة سلوك الهيئة الجديدة تجاه بقية المكونات الوطنية في سوريا وموقفها من الانتهاكات لوحدة وسلامة الأراضي السورية، وتاليا هو يتعامل بصورة ما مشابهة مع طالبان.

كشف سقوط الأسد في سوريا مع انسحاب إيران المفاجئ عن الضعف الاستراتيجي والعسكري لطهران

ويحلل فاروق الموقف بالقول إن النظام الإيراني لا ينسى قتل جبهة النصرة، هيئة تحرير الشام، لقواته في سوريا، لكن ليس لديه مشكلة في التعامل بصورة براغماتية مع هذا النظام الجديد إذا حظي بقبول مجتمعي ودولي.

سقوط الأسد.. انتهاء “وحدة الساحات”

كشف سقوط الأسد في سوريا مع انسحاب إيران المفاجئ عن الضعف الاستراتيجي والعسكري لطهران، إذ أن “المحور الإيراني” تعرض إلى ضربات كبيرة من إسرائيل التي تشن حربا في غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣، علاوة على ضرب حزب الله واستهداف قياداته وعلى رأسهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله في غضون شهور ثلاثة، بحسب ما تشير سانام فيكيل مدير برنامج الشرق الأوسط في تشاتام هاوس.

وتشير سانام إلى أن إيران دعمت وقف إطلاق النار في لبنان بنوفمبر من أجل تعافي الحزب، لكن سقوط الأسد يعد تراجعا آخر يظهر محدودية ما تعرفه طهران بـ”وحدة الساحات”، لتجد نفسها في موقف دفاعي مع تآكل قدرتها “على الردع”.

كان “المحور” مبنيا على أسس هشة، من خلال تدريب وتزويد مجموعات المحور على حساب السكان المحليين في دول ضعيفة ومقسمة

وتقول سانام إن سوريا لم تكن فقط جسرا لإيصال الدعم لحزب الله بل إن علاقتهما كانت تمتد لأعمق من ذلك إذ كان حافظ الأسد، أول زعيم عربي يعترف بالحكومة بعد ثورة ١٩٧٩.

وكانت سوريا أيضا الدولة الإقليمية الوحيدة التي دعمت إيران بشكل علني خلال حربها مع العراق، وزادت بعد دخول الولايات المتحدة وإسقاط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣، ولهذا تدخلت لصالح بشار الأسد بعد ٢٠١١.

لكن في كل الأحوال كان “المحور” مبنيا على أسس هشة، من خلال تدريب وتزويد مجموعات المحور على حساب السكان المحليين في دول ضعيفة ومقسمة، إذ كانت الاضطرابات فيها، التي صدرتها إيران، عبر المنطقة تمثل ضعفا في المحور نفسه، بحسب سانام.

وبعد الحملات الإسرائيلية في غزة ولبنان، والانسحاب الإيراني من سوريا أصبح من الواضح أن “محور المقاومة” لا يوفر لطهران “الدفاع الأمامي”.

هذه العوامل دفعت القادة الإيرانيين إلى بدء إعادة تقييم عقيدتهم الدفاعية التي كانت تعتمد طويلا على المحور والأسلحة الباليستية والنووية. مع عدم قدرة المحور الآن على توفير القدرة الرادعة بالكامل لطهران، بدأ النقاش الداخلي حول تسليح برنامجها النووي.

بعد الحملات الإسرائيلية في غزة ولبنان، والانسحاب الإيراني من سوريا أصبح من الواضح أن “محور المقاومة” لا يوفر لطهران “الدفاع الأمامي”

مخاوف إيرانية وهواجس رسمية

سقوط الأسد، يتزامن مع اقتراب دخول دونالد ترامب البيت الأبيض في 20 يناير 2025، وهو الأمر الذي يثير مخاوف طهران، إذ كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس الأميركي المنتخب وفريقه الانتقالي يدرسون خيارات جديدة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، بما في ذلك شن ضربات جوية استباقية على المنشآت النووية الإيرانية.

وأشارت الصحيفة نقلا عن مصادر مقربة من ترامب، الجمعة، إلى أن هذه الخطوة، إذا تمت، ستشكل تحولا كبيرا عن السياسة الأميركية التقليدية التي اعتمدت على العقوبات والدبلوماسية لاحتواء التهديد الإيراني.

إقرأ أيضا: إيران «تذعن» لمفاوضات «مباشرة» مع أميركا.. هل تتنازل عن «لاءاتها»؟!

أضافت الصحيفة أن فريق ترامب يعمل على تطوير استراتيجية جديدة تحت مسمى “الضغط الأقصى 2.0″، تتضمن:

زيادة العقوبات الاقتصادية وتشديدها.

خيارات عسكرية، مثل إرسال مزيد من القوات والسفن الحربية الأميركية إلى الشرق الأوسط.

دعم إسرائيل بأسلحة متطورة، مثل القنابل الخارقة للتحصينات، لتمكينها من استهداف منشآت نووية إيرانية تقع تحت الأرض.

ويلخص مركز الإمارات للسياسات ما تراه الأوساط الرسمية الإيرانية بعد سقوط الأسد كالآتي:

ترى الأوساط الرسمية في سقوط الأسد خطوة أولى من أجندة تهدف إلى مواجهة إيران.

تعتقد في وجود مشروع أميركي إسرائيلي لمواجهة المحور قد يستهدف اليمن والعراق ثم إيران.

تعزيز عدم الثقة في روسيا.

هناك هاجس من الاختناق بين جانبين من الإسلام السياسي السُّني في أفغانستان وسوريا.

السابق
12 مصابا وحالات هلع بإسرائيل بعد إطلاق صاروخ من اليمن
التالي
وزارة الطاقة تصدر جدولاً جديدًا بأسعار المحروقات.. كيف أصبحت؟