«المجلس الثقافي للبنان الجنوبي».. تدمير صهيوني لذاكرة المكان

عبر حسابه، على موقع فيسبوك أعلن “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” أنّ مقرّه السابق في حيّ الميدان بمدينة النبطية، جنوبي البلاد، دُمّر جرّاء غارة صهيونية استهدفت المنطقة أول أمس الجمعة. وأكّد المجلس “أنّ ما يقوم به العدوّ الإسرائيلي من تدمير لقلب النبطية وسوقها التجارية، والتي تحتضن أقدم سوق شعبية في لبنان تعود لمئات السنين، وأيضاً لبيوتها التراثية ومعالمها، هو تدمير لذاكرة المدينة وذاكرة القرى والبلدات من حولها، وهو تدمير لتاريخ متراكم ولعادات وتقاليد، تنمو وتزدهر في قلب المكان وعلى ضفافه”.

وبهذا، يلتحق “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي”، الذي تأسّس عام 1964 ويتّخذ من بيروت مقرّاً أساسياً له، ويضمّ في عضويته أكثر من خمسمئة منتسب، بقائمةٍ طويلة من المراكز والمؤسسات الثقافية التي طالتها آلة حرب الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه المتواصل على لبنان منذ ثلاثة عشر شهراً، والذي خلّف أكثر من ثلاثة آلاف قتيل ومليون نازح.

وأثار تدمير المقرّ ردود فعل عديدة بين عدد من الكُتّاب والباحثين الذين ذكّروا بإرث المؤسسة وأبرز رموزها الشاعر والباحث حبيب صادق (1931 – 2023)، الذي استلم الأمانة العامة منذ 1975 حتى رحيله، ومن بين المعلّقين الباحث زياد ماجد الذي كتب: “للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، بيتي الثاني حيث عملتُ والتقيتُ بأصدقاء العمر وحيث تعلّمتُ الكثير طيلة سنوات، ولحبيب صادق، القامة العاملية التي لم تنحنِ يوماً لسلطان أو لسلطة وجاه، الحبُّ كلّه والورود الحمراء… حبيب رحل عن دنيانا قبل عام ونصف، والبرابرة دمّروا مجلسه/ مجلسنا في النبطيّة البارحة، بعد أن دمّروا منزله في الخيام قبل عقود”.

أمّا بادية فحص فكتبت: “دمّرت إسرائيل اليوم مبنى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في النبطيّة. هذا المكان الذي حافظ عليه حبيب صادق ودافع عنه بأسنانه وأظافره وقلبه وعقله، بوجه طوفان الأيديولوجيا وعسكرة الثقافة وتدجين المثقّفين. انتصر حبيب صادق في كلّ المعارك التي خاضها في ساحة المجلس، بأكثر الأسلحة ذكاء.. الثقافة”.

وكذلك كتب كامل جابر: “لنا تحت كلّ قرميدة نبتت قصيدة، وهنا تلا حبيب صادق والفيلسوف العالمي نعوم تشومسكي ومحمد علي شمس الدين وجوزيف حرب وشوقي بزيع وإلياس لحود وحسن عبد الله ومحمد العبد الله وجواد صيداوي وحسن داود وجان شمعون وبرهان علوية وحبيب جابر وعادل صباح وسمير قصير وعبد الحميد بعلبكي وفؤاد جوهر وشوقي بغدادي وممدوح عدوان وصادق جلال العظم وإملي نصر الله ومريد وتميم البرغوثي… وألف أديب وشاعر وفيلسوف ومخرج وفنان وتشكيلي ألف صلاة وصلاة”.

يُذكر أنّ “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” نشط، طيلة العام الماضي، في تقديم القراءات السياسية والفكرية للواقع اللبناني في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية، كما أصدر في الثالث من تموز/ يوليو الماضي بياناً بالاشتراك مع ثلاث عشرة مؤسسة وجمعية ثقافية من مناطق لبنانية مختلفة، نبّهوا فيه من مخاطر العدوان واحتمال اتّساعه، ودعوا إلى خلق “إطار للتضامن بين المثقّفين والمبدعين في مجالات العلوم والفنون والفكر والفلسفة واللغة والأدب”، قبل أن يتحوّل المقرّ الرئيسي للمجلس في محلّة برج أبي حيدر ببيروت إلى مركز لتأمين المساعدات للنازحين وتنظيم حملات التطوّع والإغاثة، وآخرها كانت حملة “معطف.

وقد دانت الحركة الثقافية – انطلياس الاعتداء الاسرائيلي على لبنان، ولا سيما على صروحه الثقافية الوطنية، وتتضامن مع المجلس الثقافي للبنان الجنوبي.

وقد نقلت الحركة على موقعها مقالة الاستاذ محمد ناصر الدين حول هذا الاعتداء بعنوان :
” المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في مهبّ الابادة”

هي حلقة جديدة من العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان وأرضه وإنسانه تُستكمل بالإبادة الممنهجة للتاريخ الثقافي والحضاري اللبناني والمواقع الأثرية والتراثية ولا سيما في البقاع والجنوب، وكان آخر فصولها الغارة التي شنّها الطيران الصهيوني على دارة كمال ظاهر يوم السبت الفائت في النبطية. دارة احتضنت حتى عام 2019 المقر الرسمي لـ «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» وأنشطته في حاضرة جبل عامل. وقد شكّل المركز الذي افتتح عام 1997 أحد أضلاع المثلث الثقافي الإبداعي في المدينة مع «نادي الشقيف» و«مركز كامل يوسف جابر الثقافي».

المثلّث كانت له حصة الأسد من النشاطات الثقافية في مدينة الثقافة والانفتاح والعلم. المجلس التي انعقدت جمعيته العامة الأولى في كانون الثاني (يناير) عام 1965 في دارة العلامة عارف الزين في صيدا، شكّل هيئته الإدارية الأولى برئاسة عبد الرؤوف فضل الله ومن بعده زيد الزين ثم حبيب صادق الأمين العام للمجلس منذ عام 1975 ليخلفه الأمين العام الحالي عبد الله رزق. وكان قد حطّ رحاله في تسعينيات القرن الماضي في النبطية في بناء مستأجر من آل باقر قرب «نادي الشقيف» عند المدخل الجنوبي للنبطية، وما لبث أن انتقل بعد سنة واحدة إلى المركز المستحدث في البيت التراثي لآل ظاهر الذي صار علامةً فارقة في الحياة الثقافية النبطانية حتى إغلاقه عام 2019 لأسباب مادية، وقد احتضن المئات من الأمسيات الأدبية والثقافية والفنية ومعارض للصور والفن التشكيلي والندوات والمحاضرات السياسية، واستقبل بالإضافة إلى المبدعين اللبنانيين أسماء عربية وأجنبية وازنة مثل نعوم تشومسكي، وصادق جلال العظم، ومنير بشير، ومحمود أمين العالم، وطيب تيزيني، وليلى خالد، وفتحية العسّال وزين العابدين فؤاد وغيرهم. كما تعاون مع جمعيات أهلية ومدنية عدّة منها بلدية النبطية وجمعية «بيت المصور» و«جمعية تقدم المرأة» و«جمعية البيئة والإنسان» برئاسة فضل الله حسونة من بلدة الريحان، التي أخذت على عاتقها ترميم المقر بعد تضرره جزئيّاً في أعقاب عدوان تموز عام 2006.

ترأس فرع النبطية الراحل حبيب صادق، ثم المحامي سمير فياض وأخيراً الإعلامي كامل جابر، الذي واصل إشرافه حتى اليوم على أنشطة المجلس في مبنى «جمعية تقدّم المرأة» في مقرّها في بلدة كفرجوز المتاخمة للنبطية. وقد رثى جابر في منشور مؤثر على صفحته الفايسبوكية تلك الصفحة المشرقة من التاريخ الثقافي للمجلس التي تناثرت ذكرياتها تحت الركام، مستذكراً المكان ومن مرّ عليه من مبدعين، ومستحضراً جدلية العنفوان والذاكرة التي تدين المحتل الساعي إلى طمس ذاكرتنا الإنسانية والحضارية: «لنا تحت كلّ قرميدة نبتت قصيدة، وهنا تلا حبيب صادق والفيلسوف العالمي نعوم تشومسكي، ومحمد علي شمس الدين، وجوزيف حرب، وشوقي بزيع، والياس لحود، وحسن عبدالله، ومحمد العبدالله، وجواد صيداوي، وحسن داود، وجان شمعون، وبرهان علوية (…) وألف أديب وشاعر وفيلسوف ومخرج وفنان وتشكيلي ألف صلاة وصلاة… هنا على ضفاف الذاكرة والعنفوان، نبت الأقحوان كل عام وما انقطع… دارة أحمد ضاهر والمحامي حسيب ضاهر وحالياً الحفيد كمال ضاهر، الذي كان مركز «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» طوال عشرين عاماً في مهب العدوان… ألا تكسرت أيادي السوء والدمار العدوانية التي ما فتئت تفتك بمقدراتنا الثقافية والتراثية والأثرية؟».

السابق
بالصور والفيديو: زعم وجود أسلحة داخل قلعة بعلبك وقربها.. وشكوى من مرتضى بحقه
التالي
بالفيديو: 17 قتيلا و16 جريحا في عدوان إسرائيلي على المزة وقدسيا في دمشق.. وحديث عن «عملية اغتيال»