كفى غرقاً في بحور الدم والخراب!

السفير هشام حمدان

كتب الباحث سليم الإمامي، كم التّعلّق بالوطن هو حاجة وضرورة ماسّة لمن يطلب الحقوق لأهله. ففي قراءة عن دور الملّا مصطفى البرزاني في النّضال الكردي في العراق، قال، أنّ الملّا، لم يحلم بكردستان الكبرى، ولم يهتمّ بأكراد تركيّا وايران، بلّ كان همّه فقط، تحقيق حقوق الأكراد، وإقامة الحكم الذّاتي لهم.

لم يغره دعم إسرائيل وإيران له، للمطالبة بكردستان كبرى، ولا حتّى للمطالبة بدولة كرديّة خاصّة بأكراد العراق، مستقلّة عن العراق. كتب كتّاب إسرائيليّون، أنّ البرزاني، كان مقتنعا بأنّ حقوق أهله، لا تتحقّق دون تعاون بغداد.

أنقذ البرزاني شعبه وبلاده من براثن الخارج، وعندما مات حاول بعض أتباعه، الدّفع إلى إعلان دولة كرديّة مستقلّة في العراق. لم تنجح المحاولة. لم يعد الغرب بحاجة الى تقسيم الدّول العربيّة، كما لم يعد مهتمّا بإقامة دولة كرديّة في العراق. إختلفت الظّروف.

طغت المصالح الإقتصاديّة والماليّة التي لا يفيدها التّقسيم، والشرذمة

نقول هذا، كيّ نفهم أنّ التّمسّك بالوطن، يظلّ حارس الهويّة. فالأفكار والمصالح تتبدّل. سادت مصالح خلال الحرب الباردة، لكنّها تغيّرت بعد انتهائها. إختلفت الأولويّات، والتّحالفات، وأساليب التّعاون، والأهداف. طغت المصالح الإقتصاديّة والماليّة التي لا يفيدها التّقسيم، والشرذمة. فالدّول، تحتاج الى تكتّلات وأسواق كبيرة للدّفع بحركة اقتصادها.

كرّرنا مرارا وتكرارا، وجوب الخروج من الأفكار القديمة، كيّ يمكننا فعلا، فهم الواقع الحالي، وبالتّالي تمكيننا بدقّة وواقعيّة، تحديد سياساتنا الوطنيّة العامّة. التّاريخ، ضرورة لربط تسلسل الأحداث وليس للبقاء فيه. ما زلنا نسمع من المؤرّخين، والسّياسيّين، وأصحاب الفكر الإيديولوجي، تعليقات ومواقف، لا تثبط الهمم، وتدفع البوصلة بطريق الماضي فحسب، بلّ تستمرّ بالإستهانة بالهويّة الوطنيّة، وتسلخ فكر مجتمعنا عن الواقع القائم.

العالم تبدّل، ونحن نصرّ على البقاء في الماضي

من المؤسف مثلا، أن وزيرا سابقا للدّاخليّة، يسعى لإقناعنا، بعد أن رأى وشما على يد جنديّ إسرائيليّ، بأنّ ما يرمز إليه هذا الوشم، يبيّن أن حروب إسرائيل الحاليّة، هي استمرار لتحقيق هدفها لإقامة دولة إسرائيل الكبرى في منطقتنا. وهو يدعونا بالتّالي، إلى رسم سياستنا على أساسها. يتغافل معاليه، عن حقيقة أنّ عددا من الدّول التي شملها الوشم، باتت تقيم علاقات دبلوماسيّة طبيعيّة مع إسرائيل، تؤكّد احترام الجانبين للسّيادات الوطنيّة، كلّ للآخر.
لا يجوز الإستمرار برسم السّياسات والأهداف، إستنادا إلى شعارات، وبيانات، ومواقف أيديولوجيّة، أعلنت في الماضي. العالم تبدّل، ونحن نصرّ على البقاء في الماضي. نغرق في بحور الدّم، والخراب، لأنّنا مصرّون على أن الماضي، هو الدرب إلى المستقبل.

لا مستقبل إن لم ننتقل إلى الحاضر.

السابق
بالفيديو: عدوان إسرائيلي على النبطية بعيد ساعات على تحذير أهلها  
التالي
مجدداً.. تحذير اسرائيلي لسكان الضاحية!