يوم الثلاثاء 6 آب، عبَر نحو ألف جندي إلى مقاطعة كورسك الروسية القريبة من بلدة سودجا، تساندهم 11 دبابة على الأقل وأكثر من 20 مدرعة، وفق التقديرات الروسية، وبعد ساعات قال مسؤول أوكراني لوكالة الصحافة الفرنسية إن “الآلاف” من الجنود يشاركون في الهجوم.
ضرب العدوان وأزمة إجلاء
وحسب “وكالة قبرص للأخبار اليومية”، فإن العملية العسكرية الأخيرة لأوكرانيا في مقاطعة كورسك، والتي أكدها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، تجسّد مرحلة مهمة في الحرب الروسية الأوكرانية الواسعة النطاق، والتي دخلت الآن عامها الثالث، إذ تؤكد تصميم كييف ليس فقط على حماية حدودها ومواطنيها، بل وأيضاً على ضرب العدوان الروسي مباشرة على أراضيه، حيث سيطرت القوات الأوكرانية على نحو ألف كيلومتر مربع من مقاطعة كورسك، ردا على أكثر من ألفي ضربة روسية شنتها على أوكرانيا انطلاقاً من هذه المنطقة منذ بداية صيف 2024. وأظهرت العملية قدرة أوكرانيا على مقاومة المعتدي بشكل حاسم وفعال، بما في ذلك على أراضيه، وهو أمر مهم في سياق استراتيجية الدفاع الشاملة للبلاد”.
سيطرت القوات الأوكرانية على نحو ألف كيلومتر مربع من مقاطعة كورسك ردا على أكثر من ألفي ضربة روسية شنتها على أوكرانيا
وقد علق بوتين على الوضع الحالي في مقاطعة كورسك، مشيرًا إلى حاجة الجيش الروسي إلى “الضغط على العدو وطرده من أراضينا”، والعمل جنبًا إلى جنب مع حرس الحدود، على ضمان حماية موثوقة لحدود الدولة. مثل هذه التصريحات تعكس القلق المتزايد داخل القيادة الروسية. ويواجه الكرملين تحديات خطيرة، بما في ذلك زيادة عمليات إجلاء المواطنين من مناطق القتال، الأمر الذي يؤدي إلى تعقيد الوضع الداخلي في روسيا وتقويض الثقة في الحكومة.
ولفتت الوكالة انه، بالنظر إلى العدد المتزايد بسرعة من الأشخاص الذين يتم إجلاؤهم من كورسك، والذي يقترب بالفعل من 200 ألف شخص، فقد أدلى بوتين أيضًا بعدة تصريحات بشأن العمليات العسكرية على الأراضي الروسية، ووصف ما كان يحدث بأنه “استفزاز واسع النطاق”، ووعد بدفع مبالغ لمرة واحدة تتراوح بين 10 إلى 15 ألف روبل، لمن تم إجلاؤهم من منطقة القتال”.
وأوضحت الوكالة انه “في الوقت نفسه، يواجه الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من المناطق الحدودية ظروفًا سيئة في مراكز الإقامة المؤقتة، مما يسبب إحباطًا متزايدًا تجاه السلطات، في حين يواصل سقوط قتلى الجيش الروسي بهدف “تحرير” بلدات جديدة في دونباس الأوكرانية، ويتم إنفاق أموال الميزانية على استعادة الجمهوريتين المعلنتين ذاتياً “جمهورية دونتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية “، وغالبًا ما تنتهي هذه الأموال في جيوب “المعينين” المحليين الذين أصبحوا فجأة أعضاء في روسيا الموحدة ووطنيين روس شرسين”.
ضعف الاستراتيجية الروسية
وتظهر الأحداث في مقاطعة كورسك، حسب الوكالة”، ضعف الاستراتيجية الروسية وهشاشة حدود روسيا، وعلى الرغم من ادعاءات بوتين بوجود “استفزاز واسع النطاق” من أوكرانيا، تظل الحقيقة هي أن الجيش الروسي لم يتمكن من منع تقدم القوات الأوكرانية، وهذا يثير تساؤلات حول قدرة روسيا على الدفاع بفعالية عن أراضيها والسيطرة على الوضع الداخلي”.
وكشفت الوكالة انه “في داخل روسيا، أصبح الوضع معقداً على نحو متزايد، إن تزايد الخسائر، وصعوبات التعبئة، والانتقادات المتزايدة داخل المجتمع، كلها عوامل تشكل ضغطاً على الكرملين، وفي مثل هذه الظروف، قد يضطر بوتين إلى إعادة النظر في استراتيجيته والبحث عن سبل للتفاوض، وخاصة إذا استمرت القوات الأوكرانية في التقدم داخل الأراضي الروسية”.
وتُظهِر أوكرانيا بوضوح أنها ليست قادرة على الصمود في وجه الهجوم فحسب، بل إنها قادرة أيضاً على شن هجوم مضاد بنجاح
وتعرض الوكالة ان “التقدم العسكري الأوكرانيا غير المتوقع في مقاطعة كورسك، والاستيلاء السريع على المنطقة، بمثابة هو ضربة خطيرة لمواقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مما وضعه في موقف حرج للغاية أمام المجتمع الدولي وأمام بلاده. هذه المناورة الناجحة لم تثبت قدرة أوكرانيا على القيام بعمليات هجومية فعّالة فحسب، بل عززت أيضاً بشكل كبير من معنويات الأوكرانيين، الذين اضطروا إلى خوض معارك دفاعية عنيفة ودموية على مدى العام الماضي. وتُظهِر أوكرانيا بوضوح أنها ليست قادرة على الصمود في وجه الهجوم فحسب، بل إنها قادرة أيضاً على شن هجوم مضاد بنجاح، مستخدمة بمهارة قوتها ووطنيتها وإرادتها في انتصار شعبها. ولعب الشركاء الدوليون أيضًا دورًا مهمًا في هذا الأمر، حيث قاموا بتوفير الأسلحة والمعدات اللازمة، التي سمحت للجيش الأوكراني بإجراء مثل هذه العمليات الفعالة للغاية”.
وتؤكد الوكالة ان “هذه الخطوة ستسمح لكييف بردع العدوان الروسي بشكل أكثر فعالية، مما يحرم روسيا من القدرة على مهاجمة البنية التحتية المدنية وتهديد حياة المدنيين والإفلات من العقاب. ومن المهم أن نفهم أن أهداف بوتين لا تقتصر على أوكرانيا. بل تطال طموحاته مناطق أبعد، بما في ذلك دول البلطيق ومولدوفا وبولندا ودول أوروبية أخرى. وإذا لم يتخذ المجتمع الدولي إجراءات حاسمة لاحتواء روسيا الآن، فقد تمتد الحرب إلى ما هو أبعد من أوكرانيا، فتفرض تهديدات أعظم على الاستقرار والأمن الدوليين، وبالتالي فإن تزويد أوكرانيا بالقدرات اللازمة للدفاع عن النفس بشكل فعال، لا يشكل دعماً لسيادتها فحسب، بل يشكل أيضاً خطوة مهمة في منع تمدد العدوان الروسي إلى دول أوروبية أخرى”.
وختمت الوكالة القبرصية تقريرها بالقول ان “التقدم العسكري الاوكراني في كورسك الروسية، أظهر ان أوكرانيا ليست مستعدة فقط للدفاع عن نفسها، ولكن أيضًا للعمل بنشاط لتحقيق أهدافها، بما في ذلك استعادة السيطرة على أراضيها، وهذا يعزز مكانة أوكرانيا على الساحة الدولية ويخلق ظروفا جديدة لمفاوضات السلام المحتملة، ومع ذلك، فإن هذا يتطلب دعمًا نشطًا من الحلفاء الغربيين، الذين يجب أن يفهموا أن مساعدتهم يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مسار الصراع وتسريع بداية السلام”.

