تتقاطع وتتداخل (وبالضرورة التّوثيقيّة) ألحكاية الخاصّة للأستاذ في الهندسة المعمارية والكاتب اللبناني جاد أنطون تابت،عن بدايات لبنان الإنتداب ولبنان الإستقلال،مع روايته سِيرةَ والده وأصدقاء والده، في كتابه الجديد الصّادر حديثاً،عن “دار رياض الرّيّس” في بيروت،في طبعة أولى 2023،تحت عنوان”لبنان البدايات في سِيرة مثقّفٍ حداثيّ(رحلات في الثقافة والهندسة والسياسة مع أنطون تابت ورفاقه)” .
يعيش قارئ هذا الكتاب أجواء رحلات ثقافية وهندسية وسياسية
قدّم الياس خوري لهذا الكتاب الذي يتناول فيه المؤلِّف موضوعه في ستّة وعشرين فصلاً .
أنطون تابت ورفاقه
ولقد برز أنطون تابت،في زمنه،مثقَّفاً حداثيّاً ومهندساً معماريّاً بحيث كان شخصيّة لبنانية تميّزت ببصمتها الخاصة واللآّمعة في مَنحَيين تأسيسيّين، في هذين المجالين . فمن ناحية،هو المؤسِّس “مجلّةَ الطريق” التي برزت كواحدة من المطبوعات المرموقة في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية؛ومن ناحية أخرى،فإنّ أنطون تابت (الذي تخرّج في كليّة الهندسة في الجامعة اليسوعية في بيروت) هو أحد مؤسِّسي العمارة الحديثة في المشرق العربي. أمّا أصدقاؤه الذين يتناول هذا الكتاب سيرهم،أيضاً،كان لكلٍ منهم مكانته الخاصة والمعروفة في مجاله العِلمي والثقافي. وهُم : أللبنانيون:أنطوان موراني ونعمة إدّة(خرّيجا كليّة الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت) والشاعر جورج شحادة (الذي كان يكتب باللغة الفرنسية). والفرنسيّان:الدبلوماسي غبريال بونور والفنان التشكيلي جورج سير.
أنطون تابت هو مؤسِّس مجلة الطريق المرموقة وهو أحد مؤسِّسي العمارة الحديثة في المشرق العربي
ومما جاء في الفصل الأخير لهذا الكتاب:
– تُوفّي أنطون تابت في السابع عشر من شهر أيّار سنة 1964 في موسكو حيث كان قد نُقل على عجل في محاولة لإنقاذ حياته، ولم يكن قد بلغ بعد السابعة والخمسين من عمره . ونُظّم له مأتم كبير،وقد وورِيَ جثمانه في مدفن العائلة في بحمدون.
– وبعد غياب مؤسِّسها،توقفت سلسلة الندوات الثقافية والفنية التي كانت قد أطلقتها مجلة الطريق لمواكبة “المنحى التجديدي” الذي عرفته بيروت خلال الستّينيات .
– ومع سقوط جدار برلين وفشل النهج الإشتراكي على الطريقة السوفياتية وانهيار النموذج القسري الذي أرسته تجربة “المُعسكرالاشتراكي”،انتهى زمن أنطون تابت ورفاقه.
– واندثرت أحلام التغيير الثوري وتمنيات ” الغد المُشرق” وصعد من الأنقاض عالَم آخر،عالم الرأسمالية النيوليبرالية والشركات المُعولمة الذي يتوحد عبر تعميم التّكسّر الإجتماعي والتعصّب العنصري والحروب العبثية والعنف الطائفي والمذهبي.
ونُورِد هنا نَصّ مقدِّمة هذا الكتاب :
“وأخيراً كَتب جاد تابت الحكاية. والحكاية التي تتمحورحول مهندس معماري ومثقّف حداثي إسمه أنطون تابت ليست حكاية فردية أو عائلية. فأنطون تابت لا يُلخَّص بعائلته،فحكايته هي جزء أساسي من حكاية الثقافة اللبنانية في تحوُّلاتها في زمنَي الانتدب والاستقلال. من العلاقة بالحركة السريالية إلى تأسيس مجلة “الطريق”، ومن جورج شحادة إلى رئيف خوري وعمر فاخوري.
“كيف استطاع إبن قرية بحمدون أن يخرج من كرخانات الحرير في بلدة “القريّة”قرب بحمدون ويصنع لنفسه وأبناء جيله حلماً بالتّغيير؟
“بدأت الحكاية بحدّادٍ بحمدوني يُدعى جريس تابت الابن الوحيد لحنا تابت،استُدعي للعمل في صيانة المعدّات في كرخانة “القريّة” لصناعة الحرير التي اشترتها شركة الأرملة غيران وأولادها. هكذا انقلب مصير عائلة جريس حنا تابت رأساً على عقب،وكان مقدّراً لجميع أفراد العائلة، بمن فيهم أنطون الصغيرالعمل في كرخانة الحرير.
أصدقاء أنطون تابت في هذا الكتاب كان لكلّ منهم مكانته الخاصة والمعروفة في مجاله العلمي والثقافي
“لكنّ هذه البداية الكلاسيكية التي تنتمي إلى روايةٍ كُتِبَت في القرن التاسع عشر، ليست بداية الحكاية، بل هي مجرد إشارة إلى الكيفية التي حوّلت فيها الرأسماليةُ العالم، جاعلة من جبل لبنان مصنعاً تابعاً لمدينة ليون الفرنسية، قبل أن تتهاوى صناعة الحرير برمّتها في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي.
“إرتبط الحرير في الثفافة في العالم بأسطورة الجمال والسلطة والحب ، لكننا لا نرى له أيّ أثر في ثقافتنا اللبنانية المعاصرة باستثناء كتاب فواز طرابلسي المدهش “حريروحديد”،ورواية “حارث المياه” لهدى بركات رَوت فيها نهاية بيروت لكنها لم تروِ حكايات تجربة صناعة الحرير في لبنان. ولم نجد أسطورة حريرنا اللبناني سوى في مفارقة اسم مصانع الحرير “الكرخانات”. والكرخانة كلمة تركية – فارسية تعني مكان العمل أو المصنع. وفجأة، دخل الاسم في تناقُضٍ مع معناه، فصارت الكرخانة تعني المبغى أو بيت الدعارة. ويفسّر بعض المؤرِّخين هذه الظاهرة بمجاعة الحرب العالمية الأولى، بينما يرى فيها آخرون جزءاً من شروط العمل الرأسمالي حيث تُنتهَك أجساد العاملات والعمال.
“ألسؤال الذي خطر في بالي أوّلآً هو كيف قرأ جورج شحادة، صديق تابت في الجامعة وتوأمه الأدبي هذه المفارقة. فالشِّعر يصقل الكلمات ويعطيها المعاني، أمّا حين يصطدم المعنى بالكلمة ويصير نقيضها فنحن أمام مشكلة مستعصية. لم يكن أمام تابت المهندس من خيارٍ سوى الانخراط في النضال السياسي والإجتماعي الذي قاده إلى الحزب الشيوعي. أمّا جورج شحادة الشاعر فالتحق بالحركة السريالية كي ينفض المعاني القديمة عن الكلمات ويعيد صوغها طازجة ومتلألئة بالمعاني. من هنا نشأ هذا اللقاء بين اليسار والحركة السريالية. لقاء اتّخذ أشكالاً متعدّدة وتعرّض لانقسامات شتّى لكنه لم يتخلّ عن مشروعيته اليسارية.
“سحرتني حكايات الحرير في كتاب جاد تابت، لأنّها أخذتني إلى أعماق الأسى، إلى البخار والروائح الكريهة والمياتم والفقر، ولأنّها علّمتني أنّ تاريخنا يجب أن يُكتب بلغة جديدة.
“رويتُ بداية الحكاية كي أستطيع الوصول إلى متنها، ومتنها هو نجاح جاد تابت في تحويل الكتابة إلى حريرٍ من الكلمات. والده أنطون هرب من كرخانات الحرير إلى الهندسة والعمارة وصار أحد مؤسِّسي العمارة الحديثة في المشرق العربي، وجورج شحادة كَسر صَدَفة معاني الكلمات ليكون أحد أكبر شعراء القرن العشرين، أمّا الحفيد الذي اتّسمت حياته بالفخر، ونضاله بالتواضع وصداقته بالحب،فقد أكمل المسيرة على طريقته، دافع عن بيروت وعن القيم التي صنعها العمل النضالي، ولم يتنازل نقيب المهندسين في كل المواقع التي شغلها.
“لم أسأله كيف حوّل الكتابة إلى حرير من الكلمات. فأنا رأيت علامات تلك التجربة الثورية التي بدأها أنطون تابت في مجلة ” الطريق”، وهي المجلة التي تَعلّمنا فيها أن نقرأ الأدب ونُحلِّل الفن وننخرط في النضال دفاعاً عن الفقراء والكادحين والمُهمَّشِين. ومن على صفحاتها قرأتُ ألم أنطون تابت في زمن القمع البكداشي، وتغييبِ كبيرٍ كرئيف خوري.
“كتب جاد تابت سيرة والده وسيرة أصدقائه : غبريال بونور، وأنطوان موراني، وجورج سير، ونعمة إدّة. مجموعة الفرسان تحوّلت إلى ذاكرة، أمّا القصائد التي كتبها شحادة والمباني التي عمّرها تابت الأب، والنّصوص والمواقف التي صنعها مؤلِّف هذا الكتاب فهي ذاكرتنا التي تقاوم زمن هذا الانحطاط الانهياري.
“كم شعرت بالغيرة وأنا أقرأ الرسائل المتبادلة بين جورج شحادة وأنطون تابت، فنحن نعيش في زمن انتهى فيه تقليد كتابة الرسائل. فأنا لا أملك من صديقي سوى صور ذاكرتنا المشتركة التي ساهمنا من خلالها في صناعة ذاكرة بيروت.
“نحن أبناء هذه المدينة نشعر أنّ بلادنا صارت منفانا، لكننا نقاوم المنفى بالإصرار على صناعة الحياة وسط الموت.”

